المسيرة‐ أيلول في لبنان ليس مجرد شهر عادي، بل هو فصل تتجدد فيه المآسي وتتكشف فيه المفارقات التاريخية. في الرابع عشر من أيلول 1982، اغتالت يد الغدر والاجرام الشيخ بشير الجميّل، الرئيس المنتخب للجمهورية اللبنانية، الذي وعد ببناء دولة قوية على مساحة 10,452 كلم². وبعد أكثر من أربعة عقود، في السابع والعشرين من أيلول 2024، اغتيل حسن نصرالله في غارة إسرائيلية، لتُطوى صفحة ثلاثة عقود من قيادة “الجمهور” في خدمة مشروع إقليمي بقيادة الولي الفقيه في إيران.
كان مشروع الشيخ بشير الجميّل يرتكز على دولة المواطنة والازدهار؛ على فكرة لبنان الوطن النهائي. وكانت جمهوريته حلمًا لدولة سيدة، تعددية، حديثة، تحكمها المؤسسات الديمقراطية، والقضاء النزيه، والإدارة الشفافة.
لم يكن لبنان مجرد ساحة بالنسبة إليه، بل كان وطنًا نهائيًا. كان يرى أن قوة لبنان تكمن في حياده عن المحاور الإقليمية، وفي اقتصاده الحر، وفي كونه مساحة للقاء بين الشرق والغرب. جمهوريته كانت حلم “المواطنة” الحقيقية، حيث يُعرّف الفرد أولًا بصفته لبنانيًا.
في جمهورية بشير، كان اللبناني إنسانًا مثقفًا وراقيًا يقدّس الحرية ويحترم حرية الآخرين ورأيهم.
على الضفة الأخرى، جسّد السيد حسن نصرالله مشروعًا مغايرًا كليًا. “جمهوريته” لم تُبنَ على حدود لبنان، بل على فكرة الأمة الإسلامية الكبرى التي يقودها الولي الفقيه. في هذا المشروع، لم يعد لبنان وطنًا نهائيًا، بل أصبح مجرد ساحة ضمن مشروع إقليمي واسع يمتد من طهران إلى بيروت وغزة. المواطن في هذه الجمهورية ليس فردًا حرًا في دولة، بل هو عنصر في جمهور عقائدي يخضع لمرجعية ولاية الفقيه، ويقاتل ضمن محور يتجاوز حدود الوطن ويلتزم بتعليمات التكليف الشرعي.
الفارق بين المشروعين صارخ ومؤلم:
– جمهورية بشير: مشروع دولة مواطنة، لبنان وطن نهائي يحترم التعددية الحضارية، بحدود واضحة، واقتصاد مزدهر، وإنسان حر يقدّس حريته وحقوق الآخرين.
– جمهورية نصرالله: مشروع لبنان ساحة جهاد وجزء من “جمهورية كبرى”، حيث الهوية ذائبة في ولاية الفقيه، والحدود مفتوحة على المشروع الإيراني، والإنسان مُقيّد بالتكليف الشرعي.
من هنا تتسع الهوّة بين المشروعين. بشير الجميّل اغتيل قبل أن يحقق حلمه، فبقيت جمهوريته حلمًا مؤجّلًا وتحولت أفكاره إلى إرث تتوارثه الأجيال كعقيدة لبنانية صافية.
في المقابل، اغتيل حسن نصرالله بعد أن جعل من جمهوره دولة موازية داخل الدولة، فضاع جمهوره من بعده بين صدمة الهزيمة وأوهام الموروثات الدينية، وبقيت الجمهورية اللبنانية مجرد ساحة صراع منقوصة السيادة تحت رحمة الطائرات الإسرائيلية والسلاح غير الشرعي.
أيلول اغتال رجلين ومشروعين، لكنه لم يُلغِ السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان أن يصبح حقًا دولة المواطنة، حيث يعيش أبناؤه أحرارًا في وطن نهائي على مساحة 10,452 كلم²، أم أنه سيبقى أسيرًا في “جمهورية الجمهور” التي لا تعترف بحدود ولا بمواطنة؟























