​”كلٌّن بفلوا”… ويبقى أهل الأرض

منذ قرن من الزمان، كتب الأديب اللبناني مارون عبود رسالة إلى أمين الريحاني، تعكس مرارة المثقف أمام الهيمنة الأجنبية: “فما أرى هذه الأمة إلا مُفلتة من نير لتقع تحت نير آخر… يا أخي أمين، أخبرني أليس الانتداب في كل مكان حتى في السماوات؟! فإلى أين يا أمين؟”.
​جاءه جواب الريحاني مفعمًا بالأمل: “سيجيء اليوم، بعد سنة أو بعد خمسين، نرى فيه المستعمر حاملًا مدفعه وطبله وزمره وكيسه الفارغ، وراحلًا راحلًا… الغدُ لنا يا مارون.”
​هذا الحوار بين قامة فكرية وأخرى من أعمدة الأدب اللبناني، يظل حيًّا حتى اليوم، وكأنه تعليق مباشر على حاضرنا. فالمشاريع التي حاولت قوى داخلية وخارجية فرضها على لبنان تسقط تباعًا، فيما يبقى اللبنانيون وحدهم أهل هذه الأرض:
– ​سقط مشروع “الوطن البديل – الفلسطيني” الذي حملته سياسات إقليمية منذ اتفاقية القاهرة عام 1969.
– ​سقط مشروع “شعب واحد في دولتين – السوري” الذي أراده حافظ الأسد غطاءً للهيمنة السورية.
– ​بدأ ينهار مشروع “لبنان جزء من الدولة الاسلامية الخمينية – الايراني ” الذي يهدف الى ربط لبنان بدولة ولاية الفقيه الإيرانية.
– ​وسيسقط حتمًا مشروع إدخال لبنان في “إسرائيل الكبرى- الصهيوني”.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

​تحت عبء هذه المحاولات، يتردد صدى صوت جبران خليل جبران، أحد أوائل المفكرين اللبنانيين الذين أدركوا أن الصراع بين الشرق والغرب سيظل يفرض أزماته على هذا الوطن الصغير جغرافيًا، الكبير بدوره الوجودي. لا تزال صرخاته من أكثر من مئة عام تتردد في فضاء لبنان الغارق في أزمات تقتل شعبه، لأن العديد من مسؤوليه ما زالوا أسرى لعبة المحاور بين الشرق والغرب.
​
​في زمن “المجاعة الكبرى”، كتب جبران : “مات أهلي وعيونهم محدقة في السماء وأيديهم ممدودة نحو الشرق والغرب.” كانت تلك الصرخة تجسيدًا لمأساة اللبنانيين الذين قضوا جوعًا وذلًا، وكأنها تصف حال اليوم حيث يموت الناس صامتين تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، والمالي، والإداري، والأخلاقي وبين مطرقة الضربات الإسرائيلية وسدان السلاح الغير شرعي.
​يومها، عبّر جبران عن جوهر المعضلة: هل سيظل اللبناني يدفع ثمن صراع القوى بدل أن يختار سياسة حياد تحفظ له الكرامة والحياة؟
​ثم يأتي نصه الملحمي “من أنتم؟” ليشكل إعلان هوية يتجاوز الموت والجوع، ويُظهر كيف أن لبنان يحتضر مرارًا لكنه لا يموت:​”نحن أمة تحتضر ولا تموت، قد احتضرت ألف مرة ومرة ولم تمت، وستحتضر ألف مرة ومرة وتظل حية… نحن الذين نأكل قلوبنا طعامًا ونشرب دموعنا خمرًا غير أننا لا نلوي أعناقنا ولا نحول وجوهنا عن الكواكب… نحن جبل راسخ مقيم، أما سوانا فأشباح تأتي مع الظلام وتضمحل باضمحلال الظلام… نحن قوم في جلودنا لين ونعومة، أما عظامنا فكثيفة كعروق السنديان…”
​هذه الكلمات ليست مجرد وصف شعري، بل هي مرآة لتجربة شعب بأكمله: يُهزم في الظاهر لكنه يبقى صامدًا في العمق، يتألم لكنه لا يُمحى، يتعثر لكنه لا يزول.
​فالحياة في لبنان لا تنفصل عن الموت، والموت لا يملك أن يُبطل معنى الحياة. نحن نحتضر ولا نموت، تمامًا كما يبقى هذا الوطن، مثل طائر الفينيق، يحترق ثم ينهض من رماده.
​هكذا تسقط المشاريع، واحدًا تلو الآخر، ويزول المستعمر “راحلًا راحلًا”، فيما يبقى لبنان وأهله، الجذور العميقة التي لا تُقتلع.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?