من “سلام مقابل أرض” إلى “حرق الأرض”

تحوّل في الأهداف الإسرائيلية

في عالم السياسة الدولية، لا تكفي الروايات الظاهرة لتفسير الحروب. غالبًا ما يكشف التاريخ عن دوافع أعمق تتخفّى وراء الشعارات المعلنة. هذا المقال يقدّم قراءة تحليلية للتحول في الأهداف الإسرائيلية بين اجتياح 1982 وأي عملية عسكرية قد تحدث في المستقبل القريب. في الماضي، كانت الأهداف الأمنية تُخفي طموحات سياسية ودبلوماسية، أما اليوم، فتبدو العمليات العسكرية جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا البشرية والسياسية في المنطقة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

​

​في صيف 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان معلنةً أن هدفها هو إنهاء تهديدات منظمة التحرير الفلسطينية من الجنوب. لكن الأهم من ذلك هو الإطار السياسي الذي تلا الاجتياح، حيث جرت مفاوضات واتفاقيات تهدف إلى إقامة ترتيبات سياسية بين بيروت وتل أبيب. كان ذلك السعي محاولةً لفتح مسار سلام رسمي بين البلدين، وهو ما تجسّد في اتفاقية 17 أيار التي بُنيت على منطق توسيع اتفاقيات كامب ديفيد.

جدير ذكره أن هذه الإتفاقية على سبيل المثال لا الحصر كانت تمنح لبنان مساحات مائية أوسع بكثير مما حصل عليه في اتفاق ترسيم الحدود البحرية الأخير مما يعطي اثباتا أن الهدف كان كسر العزلة وتوسيع كامب ديفيد.

​كانت هذه الاستراتيجية جزءًا من خطة أمريكية-إسرائيلية تهدف إلى إقامة اتفاقيات سلام مع “دول الطوق”، وهي مصر، سوريا، الأردن، ولبنان لكسر عزلة إسرائيل ومنحها من جهة هامشا اقتصاديا أوسع ومن جهة أخرى يخفف الضغوطات المتعلقة بالقضية الفلسطنية. بعد النجاح في توقيع اتفاقية السلام مع مصر عام 1979، اعتقد الطرفان الأميركي والإسرائيلي أن البوابة اللبنانية يمكن أن تؤدي إلى اتفاق مع سوريا، خاصةً وأن النظام السوري كان يتعاون مع الأمريكان في لبنان ويلتزم بقواعد الإشتباك مع الإسرائيليين.

​ عام 1982، بدا أن جزءًا من الحساب الإسرائيلي-الأمريكي يهدف إلى تكرار تجربة كامب ديفيد على امتداد الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وخلق وقائع سياسية جديدة تساعد إسرائيل على اختراق دول الطوق وفتح الطريق نحو اتفاقيات سلام مع سوريا والأردن.

​على نحوٍ مقلق، ما نشهده في غزة منذ تشرين الأول 2023 وما رافق العمليات من تدمير ممنهج للبنية التحتية، وتشريد واسع، وإزالة مدن من الوجود، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الهدف الأمني الظاهري “هزيمة حماس” يتحول إلى عملية لإعادة هندسة أرض وسُكّان؟

​منظمات حقوقية وهيئات أممية ربطت بين السياسات العسكرية الإسرائيلية وسيناريوهات تجعل أجزاءً واسعة من غزة غير قابلة للسكن. وذهبت تقارير بعضها إلى وصف السلوكيات الإسرائيلية بأنها تتقاطع مع تعريفات القمع المنهجي للسكان عبر التجويع والإذلال. قراءة مشابهة للحال في لبنان، لو حصل اجتياح شامل، تقود إلى استنتاج واحد: هناك احتمال أن تكون العملية امتدادًا لنهجٍ يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي يسهّل السيطرة على “الأرض المحروقة” وخلق وقائع استيطانية جديدة.

إتفاقيات كامب ديفيد

​الفرق بين 1982 واليوم يكمن في المناخ الإقليمي والدولي وطبيعة الأهداف النهائية:

– 1982: كان الهدف تحويل نتيجة عسكرية إلى اتفاقية سياسية عبر توسيع منطق “السلام مقابل الأرض”.

– ​اليوم السلام لم يعد هدفًا إسرائيليًا. اختراق دول الطوق بات من الماضي، خصوصًا وأن غالبية الدول العربية باتت ترتبط بإسرائيل بعلاقات دبلوماسية أو تجارية. اليوم، الهدف هو خلق وقائع على الأرض عبر التدمير والتهجير، مما يجعل عودة السكان أو إقامة مؤسسات مستقرة أمرًا صعبًا، ويفتح الطريق أمام سياسات طويلة الأمد لا تضع السلام في مقدمتها، بل تغيير الحقائق الديمغرافية والجغرافية.

​لقد تحوّل الهدف من “تثبيت سلام” إلى “حرق أرض”، مما غيّر قواعد الاشتباك. إذا كان العدو قد تعلّم من تجاربه السابقة أن الواقع السياسي قابل للترتيب بعد العمليات العسكرية، فإن استعمال التدمير والتهجير كأداة يغير جذريًا المقاييس والخيارات الاستراتيجية.

​لهذا السبب، يجب على حزب الله مراجعة حساباته بدقة لأن الإنخراط الأعمى في محاور إقليمية والإنصياع الكامل لتوجهات إيران قد يجعل الجنوب وأهله ضحايا لصفقات لا تُعنى بحماية السكان المحليين بقدر ما تهتم بموازين النفوذ. كما على رئيس الجمهورية والحكومة حزم أمرهم لإن إبقاء القرار الاستراتيجي للبنان رهينة حسابات إقليمية يعني تعريض المدنيين لنتائج قد تُباع وتُشترى على طاولات تفاوض لا تمثل مصالحهم.

​وفي المقابل، على خصوم حزب الله أن يدركوا أن الرهان على الأميركي، مثل رهان الحزب على الإيراني، هو رهان خاسر. لقد أكدت تصريحات الموفد الأمريكي الأخيرة أن أميركا لا تهتم لأي أحد في لبنان، وما يهمها هو تحقيق أهدافها وخدمة مصالحها وحماية إسرائيل.

​المقارنة بين 1982 واليوم ليست مجرد تمرين تاريخي؛ إنها دعوة للتنبّه إلى التحول في أدوات السياسة الإسرائيلية: من السعي لتوسيع دائرة “توقيع سلام” إلى استعمال التدمير كوسيلة لإعادة رسم الواقع. لبنان اليوم أمام خيارين: إما الإستمرار في كون مناطقه ورقة على طاولات محاور خارجية معرضة للدمار والتهجير في كل لحظة، أو أن يبادر حزب الله الى تسليم سلاحه للدولة على أن يبدأ بعدها الجميع بمسؤولية وطنية في البحث داخل مجلس الوزراء والنواب لإيجاد مروحة واسعة من التأييد الدولي لفرض تطبيق اتفاقية الهدنة سنة 1949 بكل مندرجاتها ودعوة المجلس العسكري لإعداد خطة أمنية سرية لحماية الحدود من أي اعتداء. وعلى الجميع أن يدرك أن القرار الوطني اللبناني الجامع هو الكفيل بحماية لبنان وتقلّص مخاطر التهجير واغتصاب الأرض.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?