المسيرة – يمثل جمهور حزب الله ظاهرة اجتماعية-نفسية معقدة تتجاوز حدود الدعم السياسي البسيط لتصل إلى مستوى التماهي الوجودي العميق. هذا الجمهور ليس مجرد قاعدة انتخابية أو أنصار؛ بل هو كيان عاطفي تشكَّل ولاؤه المطلق عبر عقود من التأسيس على أيديولوجيا دينية مُهيمنة. هذه الأيديولوجيا لم تقتصر على صياغة العقيدة السياسية فحسب، بل اخترقت نسيج التربية، والعادات الاجتماعية، والسردية الدينية والتاريخية، في محاولة لإعادة كتابة الحقائق بشكل يتناسب مع رؤيتها.
لقد أفرز هذا التأسيس نَسَقًا نفسيًا جماعيًا تُصنَع فيه الهوية الفردية من مادة الجماعة الدينية، التي تستمد شرعيتها وطاقتها المركزية من مفهوم الولي الفقيه في إيران. وقد عبّر عن ذلك السيد حسن نصر الله بقوله: “هذه العلاقة أيها الإخوة بالنسبة لنا، فأنا واحد من الذين يعملون في مسيرة حزب الله، وفي أجهزته العاملة، لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لدي يقين قاطع بأن هذه الأجهزة تتصل عبر مراتب إلى الولي الفقيه القائد المبرئ لذمة الملزم قراره.. بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطمئن به”.
هذا النموذج للولاء المتجذر ليس فريدًا؛ بل هو تجسيد معاصر لآليات الحشد والولاء الجماعي التي ظهرت في مراحل تاريخية مختلفة. يمكن ملاحظة أصداء هذا التماهي في حركات متطرفة سابقة، من جماعة الحشاشين التي اعتمدت على الطاعة المطلقة لـ “شيخ الجبل”، إلى النماذج الشمولية في القرن الماضي كالنازيين، والفاشيين، والشيوعيين، والتي بنت ولاءها على أيديولوجيا مركزية قاهرة.
ولفهم جوهر هذا الولاء الذي يبدو في الظاهر عصيًا على التفكيك، يجب تفكيك الآليات النفسية والاجتماعية التي تحافظ على تماسك الفرد ضمن سياج الجماعة وتحصّنه ضد الواقع الخارجي:
– بناء الهوية عبر الانتماء (Social Identity Theory): يتحول الدفاع عن الحزب الى نوع من الدفاع عن الذات. يُبنى تقدير الفرد لقيمته الذاتية على قوة الجماعة ومكانتها وصورتها. وعليه، يُفهم أي تهديد موجه لصورة الحزب، أو قادته، أو سرديته، كهجوم وجودي على كيان الفرد نفسه. هذه الآلية تطلق دفاعات نفسية قوية تتمثل في الإنكار العاطفي ورفض أي حقيقة موضوعية خارجية قد تتناقض مع الصورة الداخلية المثالية للجماعة.
– آلية الطاعة المُقدَّسة والضغط الجماعي: يتجاوز الأمر مجرد التوافق الاجتماعي إلى درجة الطاعة غير المشروطة. فقد تتحول توجيهات السلطة العليا إلى واجب ديني وأخلاقي مُقدَّس ومُطلق، مما يُلغي فعليًا مساحة الشك أو النقد أو حتى التقييم العقلاني لمدى توافق هذه التوجيهات مع المنطق أو المصلحة الذاتية. ويمثِّل هذا التسويغ الديني حِصارًا ذهنيًا يمنع التفكير النقدي المستقل.
– تسارع العدوى العاطفية: تعمل المشاعر المشتركة كوقود متفجر للجماعة. تنتقل موجات الحماسة، أو الغضب، أو الولاء المطلق بسرعة فائقة، وتمحو المسافة بين الفرد والجماعة. هذه العدوى العاطفية تُضاعف قوة السلوكيات، مُحولةً الإرادة الفردية إلى جزء غير واعٍ من تيار انفعالي جارف لا يرى أو يسمع غير صوت الجماعة.
اليوم، يواجه هذا البناء النفسي والاجتماعي المُحكَم، اهتزازاً وجودياً عميقاً ومؤلماً. فالصدمات التي تتجاوز النكسات السياسية (مثل مقتل القائد الرمز، أو إصابة النخبة القيادية، أو التهديد الفعلي بكسر القوة العسكرية ونزع السلاح) تضرب مباشرة مركز الهوية الجماعية. هذه الصدمة تضع الجماعة أمام تصادم مُدمِّر بين “وَهْم النصر” و “حقيقة الهزيمة” الساطعة مما يقسمها إلى قسمين: أكثرية محدودة الوعي وأقلية من أصحاب الوعي.
تدخل الأكثرية المكونة من الأشخاص البسطاء ومحدودي الوعي في مرحلة الإنكار الجماعي (Collective Denial) عبر رفض قبول الأمر الواقع الجديد. في مواجهة هذا التصادم، يدخل الكيان الجماعي مرحلة الإنكار الجماعي. فبدل الاعتراف بالهزيمة أو إعادة التقييم العقلاني، يتم تفعيل آليات دفاعية جماعية معقدة عبر:
– تحويل اللوم نحو “المتآمرين” أو “العملاء” أو الأعداء الخارجيين، وتصعيد العداء تجاه أي صوت يحمل الحقيقة أو يدعو للمراجعة.
– اللجوء إلى مزيد من التمسك بالمعتقدات القديمة والطقوس الجماعية كملجأ أخير ضد الانهيار.
وقد يواجه الأفراد الأكثر وعيًا داخل الجماعة، صراعًا داخليًا مُدمِّرًا يُعرف بـ الإجهاد المعرفي (Cognitive Dissonance) مما يدفعهم إلى الاختيار بين راحة المعتقد القديم وأَلَم الواقع الجديد. هذا الصراع قد يدفعهم إلى أحد مسارين:
المراجعة الجذرية: أي إعادة تقييم مواقفهم وبناء وعي فردي مستقل، وهي عملية نادرة ومُكلفة نفسيًا.
التصلب العاطفي: أي زيادة التمسك بالمعتقدات العاطفية والرفض العنيف للحقيقة لدفن الصراع الداخلي وتجنب الألم.
إن القوة الدافعة للكيان العاطفي، التي كانت مصدر حيوية الحزب وقوته، انقلبت اليوم لتصبح نقطة ضعف وجودية. إنها تشلّ قدرة الجمهور على معالجة الواقع البارد والمحاسبة العقلانية.
يواجه الأفراد اليوم خيارًا قاسيًا: الانصهار في الإنكار الذي سيقود حتمًا نحو خسائر أكبر وتعميق الأزمة، أو التحرر الصعب من تأثير الجماعة عبر بناء وعي فردي مستقل. هذا التحرر ليس نزهة؛ إنه يتطلب شجاعة فكرية ونفسية خارقة لتغيير عقلية وهوية ومعتقد تم بناؤه خلال عقود من الزمن.
إن تحدي الخروج من هذه الحالة يكاد يكون مستحيلاً؛ فالإنسان لا يستطيع أن يسلخ جلد هويته التي عاش فيها منذ طفولته دون أن يدفع ثمنًا باهظًا. ومن يستطيع ذلك، لن يعود يشبه الإنسان الذي كان عليه سابقًا. إن السؤال الأعمق الذي يواجه مستقبل الأفراد في هذه الجماعة ليس سياسيًا، بل وجوديًا: هل سيختارون البقاء في دائرة الوهم الدافئة، أم الخروج إلى مساحة الحقيقة المؤلمة؟























