السلاح المتفلت: أقوال بضبطه ولا أفعال!

المسيرة- أعلنت رئاسة مجلس الوزراء أن يومي الاثنين والثلاثاء، في 1 و2 كانون الأول 2025، سيكونان عطلة رسمية بمناسبة زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان. ومن الطبيعي أن ترافق هذه الزيارة آمال اللبنانيين في السلام والوئام ومستقبل أفضل.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

لكن فرحة هذا الحدث الروحي الكبير اصطدمت بواقع أليم مع جريمة قتل الشاب إيليو أبو حنّا، التي لم تكن حادثًا عابرًا، بل صرخة موجعة تفضح استمرار عجز الدولة عن حماية أبنائها. فكل جريمة جديدة تؤكد الحقيقة نفسها: الدم يُسفك، القوانين تُهمَل، والمجرمون يبقون أحرارًا، فيما السلطة تمارس لعبة الإنكار، متوهّمةً أنها تسيطر على واقع خرج منذ زمن عن سيطرتها.

هذا العجز ليس وليد اللحظة. ففي صيدا عام 1999، سقط أربعة قضاة شهداء داخل قصر العدل أثناء انعقاد جلسة محكمة جنايات لبنان الجنوبي: القاضي حسن عثمان، رئيس المحكمة، القاضي عاصم أبو ضاهر، المحامي العام الاستئنافي، القاضي عماد شهاب، المستشار، والقاضي وليد هرموش، رئيس المحكمة الابتدائية.
دماؤهم ما زالت تصرخ مطالبةً بالعدالة، لأن من دون محاسبة المجرمين لا قيام لقضاءٍ حرّ، ولا يمكن لأي قاضٍ أن يحكم باسم الشعب إلا إذا كان مستعدًا لأن يكون شهيدًا مثلهم. علماً أنّ الجريمة نفّذها مسلّحون معروفون من تنظيم “عصبة الأنصار الإسلامية”، وصدر بحقّهم حكم غيابي بالإعدام عام 2019، ومع ذلك ما زالوا طلقاء داخل مخيم عين الحلوة، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لملاحقتهم.
تلك الحادثة كانت ولا تزال دليلًا على أن السيادة اللبنانية قابلة للخرق بالقوة، وأن الدولة عاجزة عن فرض القانون حتى في أبسط واجباتها: حماية حياة مواطنيها.

وفي نهر البارد عام 2007، دفع الجيش اللبناني ثمناً باهظًا في مواجهة تنظيم “فتح الإسلام”، فسقط أكثر من 170 شهيدًا من جنوده ومئات الجرحى. ومع ذلك، لم تنجح الدولة في فرض سيادتها داخل المخيمات، تاركةً سلاحًا منفلتًا يهدد اللبنانيين والفلسطينيين على حدّ سواء.

كم من مرة تعهّدت السلطة الفلسطينية باحترام سيادة لبنان وتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات؟ وآخرها محاولة رمزية لتسليم بعض الأسلحة للجيش اللبناني، مع وعود بالحفاظ على الأمن والاستقرار. لكن التجربة أثبتت أن هذه الخطوات لم تكن سوى مناورات شكلية لا تهدف إلى حلول دائمة، بل تُبقي الواقع على حاله: تجارة سلاح ومخدرات، وفوضى أمنية تنمو في ظل غياب الدولة وسلطة القانون.

هذا النفاق السياسي والازدواجية في القرارات جعلا الدولة عاجزة عن حماية شعبها. فهي تتحدث عن “السلم الأهلي” و”الأمن”، لكنها عاجزة عن تطبيق القوانين. والنتيجة: وطن بلا سيادة، شعب بلا حماية، وقانون بلا تنفيذ.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل اتفاقية القاهرة لعام 1969، التي وُقّعت بين الدولة اللبنانية والقيادة الفلسطينية. فمن غير المفهوم كيف تحوّلت المخيمات الفلسطينية، بين ليلة وضحاها، إلى مناطق عصيّة على الجيش والأجهزة الأمنية، بعدما كانت منذ عام 1948 وحتى أواخر الستينيات خاضعةً لمخافر صغيرة تضمّ ثلاثة عناصر فقط.

وقد أشار اللواء سامي الخطيب، الذي كان نائب رئيس المكتب الثاني، إلى خلفية هذا التحوّل بقوله:“بنتيجة تبدّل التوازنات بعد انتخابات 1968، ارتأينا استرضاء ياسر عرفات والتنظيمات الفلسطينية لكسب الرأي العام الإسلامي وضمان أصوات النواب المسلمين في الانتخابات الرئاسية سنة 1970، ولتعزيز موقعنا لدى الدول العربية الداعمة للثورة الفلسطينية.”
هكذا، ومن دون مبرر قانوني أو وطني، فُتحت أبواب لبنان أمام تنظيمات مسلحة أجنبية، وبدأ تفكك السيادة من الداخل. رغم أن اتفاقية القاهرة هدفت إلى تنظيم الوجود الفلسطيني ومنع الاعتداءات وضمان التنسيق الأمني، إلا أن غياب آليات الرقابة حوّلها إلى نص معطّل ومجرد غطاء للخرق الدائم للسيادة اللبنانية. وقد أُلغيت الاتفاقية رسميًا سنة 1987، لكن الأجهزة الأمنية ما زالت تتصرّف وكأنها سارية المفعول، في مفارقة تُجسد عجز الدولة عن تنفيذ قراراتها الخاصة.

وفي المقابل، ما زالت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تُنفّذ اغتيالات شبه يومية لعناصر من حزب الله، في مشهد يُظهر أن لا الدولة تملك سيادتها، ولا الحزب مقتنع بانتهاء دوره العسكري. أمّا ما يُسمّى “خطة نزع السلاح” التي قدّمها قائد الجيش ورحّبت بها الحكومة، فهي لا تعدو كونها تعبيرًا لغويًا عن عجزٍ سياسي مزمن.

من هنا، تكتسب زيارة البابا فرنسيس إلى لبنان بعدًا رمزيًا كبيرًا، لكنّ قيمتها الحقيقية تكمن في ما ستكشفه من حقيقة الدولة اللبنانية وقدرتها على النهوض. فقبل استقبال أي قائد ديني عالمي، على الدولة أن تُثبت قدرتها على:

1. تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء.
2. فرض العدالة على كل من يحمل السلاح خارج سلطة الدولة.
3. حماية المواطنين من القتل والفوضى.

لبنان اليوم أمام مفترقٍ واضح: إمّا أن يصبح دولةً واحدة تحتكر السلاح وتُطبّق القانون وتستعيد سيادتها وكرامة مواطنيها، وإمّا أن يبقى في لعبة النعامة، يدفن رأسه في الرمال، وتُدفن معه كل يوم قطعة من الوطن وشهيد جديد.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?