المسيرة – ينشط الحديث اليوم مصحوبًا بنقاش واسع حول المفاوضات المطروحة بين لبنان وإسرائيل. طبعًا هناك فئة من اللبنانيين لا يعنيها شكل المفاوضات وأعضاء فريق التفاوض المنتدبين، إنما يعنيها العيش بأمان في بلد أنهكته الحروب لصالح قضايا ما جلبت له إلا الخراب. وهناك فئة أخرى، أيضًا لا يعنيها شكل المفاوضات وأعضاء فريق التفاوض المنتدبين، إنما تريد أن تستخدم الموضوع شمّاعة للتحشيد في بيئتها من جهة، وللإيحاء والإدعاء بأنها أكثر وطنية من سواها.
في الواقع، هذه البروباغاندا ما عادت تجدي نفعًا بعد التغيّر الجذري للمشهد الجيوسياسي في المنطقة، وبعد انطلاق قطار السلام مسرعًا تقوده دول غربية وإقليمية ذات تأثير يتفوّق بأشواط على ما يحاول بعض اللاعبين الصغار وضعه من عوائق على السكة. وإذا كانت التصاريح العلنية ترفض التفاوض أو تضع محدّدات شكلية للقبول به، فإن الواقع مختلف تمامًا وتاريخ لبنان وإسرائيل حافل بالتفاوض بمعظم أشكاله.
ففي 23 آذار العام 1949 كانت أولى المفاوضات بين البلدين والتي انتهت باتفاق برعاية الأمم المتحدة في نقطة رأس الناقورة، يُعرف باتفاق الهدنة. وفيه الكثير من النقاط لصالح لبنان. وفي 17 أيار 1983 بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، عقدت مفاوضات مكثّفة بين الجانبين برعاية أميركية. تضمن الاتفاق إنهاء حال الحرب بين البلدين، والاعتراف المتبادل بالمطالب السيادية، وسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان تدريجياً، وإنشاء “منطقة أمان” في جنوب لبنان، وتعاون أمني. لم يُنفّذ الإتفاق بنتيجة ضغوط سوريّة ورفض أطراف لبنانية له.
وفي 26 نيسان 1996 عقد اتفاق هدنة بين لبنان وإسرائيل بعد عملية عسكرية عُرِفَت بـ”عناقيد الغضب”. وعلى رغم أنه لم يكن بنتيجة مفاوضات مباشرة بين الدولتين، لكنه اعتُبِرَ من محطات التفاوض التي تؤثّر في العلاقة اللبنانية-الإسرائيلية. تلى ذلك اتفاق آب عام 2006 الذي وإن كان لا يعدّ اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، إلا أنه كان محطة تفاوضية مهمّة من خلال الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وبنتيجة هذا الإتفاق أصدر مجلس الأمن القرار 1701 القاضي بوقف الأعمال العدائية ونشر الجيش اللبناني لمنع تحركات “حزب الله” العسكرية في منطقة عمل القوات الدولية. ثم كانت المفاوضات غير المباشرة التي حدّدت الحدود البحرية في تشرين الأول 2022. وبعدها مفاوضات ترسيم الحدود البرّية، وصولاً إلى ما بدأ يعلو الحديث عنه الآن حول مفاضات أوسع بين لبنان وإسرائيل.
توزّعت نتائج المفاوضات السابقة الذكر بين اتفاقات هدنة أو وقف إطلاق نار مثل العام 1949، 1996، 2006. واتفاق أو معاهدة بين الدولتين مثل 1983، حتى ولو لم تُنفّذ. وكذلك اتفاقات تقنية، مثل اتفاق الحدود البحرية عام 2022 والذي اعترف ضمنًا بإسرائيل كدولة لها حقوق في البحر والأرض، إلا أنه لم يُعتبر تطبيعًا سياسيًّا معها.
اللافت في المفاوضات المطروحة اليوم ليس تقنياتها، إنما مماشاتها للتحوّل الحاصل في المنطقة باتجاه السلام مع إسرائيل. وإن كانت للبنان خصوصيته وظروفه المختلفة والتي يعرفها المعنيون، إلا أنّه لا يستطيع أن يبقى خارج السياق المتنامي في المنطقة. وحتى لو كانت المفاوضات غير مباشرة كما يطلب لبنان لمراعاة حساسية تركيبته الهشّة، تبقى العبرة في نتائجها.
فالنتائج المرتقبة ستقلب، بلا أي شك، صفحة مضت لتفتح صفحة جديدة يؤكد الرعاة الدوليون أنها ستكون لمصلحة السلام في المنطقة ومنها لبنان. وبالمعنى نفسه ستؤسس هذه المفاوضات لمرحلة مختلفة وستاتيكو جديد بعد صراعات صدّعت المنطقة ودفعتها إلى التخلّف، خلال أكثر من 75 عاما من الحروب العربية الإسرائيلية وشعارات التحرير والتدمير.
أما العبرة فأن كل اللبنانيين باتوا مقتنعين بجدواها ومتقبّلين لها وإن كابر “حزب الله” والرئيس بري في العلن لمقتضيات طمأنة “البيئة”. وأن أي إتفاق ستحمله المفاوضات مع إسرائيل، لن يُبقي على المنظمات غير المسلحة، ولن يتجاهل ترسيم الحدود وما يجانبها من الجهتين ضمانًا لأمنه. علاوة على ذلك فاليوم الدولة هي من تفاوض وليس منظمة خارجة عليها، ثم تأتي الحكومة لتصادق على ما لم تفاوض عليه.
والخلاصة الأبرز أن نتيجة التفاوض ستُرسي وضعًا للبنان منسجمًا مع توجهات دول المنطقة ليصحو الجميع في وقت أقرب مما نتصور على أفق جديد مرصّع بالسلام مكلّل بالازدهار، للمرة الأولى بعد قرون من الصراعات.























