بين رسائل النار وزيارة “فاعل السلام”

...هذا ما يرجوه شعب لبنان

يعيش لبنان اليوم على مفترق طرق بالغ الخطورة، يتأرجح بين رسالتين وجوديتين متناقضتين تمامًا. الرسالة الأولى مصبوغةٌ بالسواد والدم، تدق طبولها صواريخ التصعيد التي بدأت ملامحها بإلغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، واكتملت صورتها القاتمة باغتيال المسؤول العسكري في «حزب الله»، هيثم علي الطبطبائي. في المقابل، تحمل الرسالة الأخرى ألوان الفرح والحب والسلام، وتتجلى في زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة إلى بيروت.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

وما بين هذين القطبين المتنافرين، يقف اللبناني، مُتعَبًا ومُترقِّبًا، في بلدٍ لم يعرِف طعم الاستقرار الحقيقي منذ أكثر من نصف قرن.

​من جهة “رسائل الحرب”، لم يكن القرار الأميركي بإلغاء مواعيد قائد الجيش في واشنطن مجرد إجراء دبلوماسي، بل كان بمثابة إنذار سياسي صاعق للسلطة اللبنانية. تبعته عملية اغتيال الطبطبائي، التي شكّلت صفعة إسرائيلية مباشرة لردع إيران عن محاولتها ترميم البنية العسكرية المدمرة لـ«حزب الله» بعد حرب الإسناد. هذه التطورات ليست أحداثًا عابرة، بل هي رسائل عنيفة أعادت فتح جروح الكيان وأربكت المشهد الداخلي.

​لقد باتت المعضلة المرتبطة بالقرار العسكري والاستراتيجي في لبنان حقيقة لا يمكن تجاهلها. لم يعد السؤال محصورًا في “مَن يحكم”، بل في “مَن يقرر”. الحدود بين الدولة والدويلة باتت ضرورة وطنية ملحّة يجب ترسيمها، في وقت باتت فيه السلطة اللبنانية مطالبة بأن تتطابق أقوالها مع أفعالها، وأن تستعيد دورها كمرجعية وحيدة للسيادة الفعلية لا الإعلامية.

في المقابل، تحوّلت زيارة البابا إلى حدثٍ سياسي ودبلوماسي بامتياز، يتجاوز بُعدها الديني والرمزي ليحمل جرعة أمل حقيقية وضرورية للبنان المُنهَك. فالفاتيكان لا يرسل رأس الكنيسة إلى منطقةٍ تغلي دون حصوله على ضمانات أمنية وسياسية دولية واضحة. وبالتالي، تمنح هذه الزيارة لبنان فرصة ثمينة لاستعادة شيء من رمزيته على الخارطة الدولية، وتؤكّد أن العالم لم يطوِ صفحته بعد، على رغم كل ما يرزح تحته من أزمات.​

لكن، على أهميتها القصوى، تبقى قدرة الزيارة على صناعة سلامٍ دائم محدودة ومشروطة، لأن المقارنة بين البابا والمرشد تكشف فارقًا جوهريًا بين نموذجين متعارضين للسلطة الدينية. فبابا الفاتيكان يمثّل سلطة روحية ذات تأثير معنوي وروحي ودبلوماسي يهدف إلى التهدئة ونشر السلام بينما يعمل المرشد الإيراني ضمن منظومة ترى في الدين مشروعًا سياسيًا وأداة نفوذ تنتشر عبر القوة والتنظيمات المسلحة. لذلك يأتي البابا إلى لبنان بصفته رجل سلام، فيما يتدخّل المرشد فيه كلاعب مباشر في الصراع. وهذا الفارق يجعل الزيارة محدودة النتائج المستقبلية مهما بلغت رمزيتها وأهميتها. وبناء على ما تقدم، أي تسوية حقيقية تحتاج إلى قرار داخلي شجاع وضروري يضمن من جهة ​تعاون جدي من قبل «حزب الله» مع الدولة لإيجاد مخرج لسلاحه. ومن جهة ثانية ​دولة تتصرف كدولة بالفعل، تحمي سيادتها وتفرض أمنها وقانونها على كامل التراب الوطني.

​

​هكذا يجد لبنان نفسه ضائعًا بين رسالتين متناقضتين لا تلتقيان: رسالة السلام والحب والرمزية التي يحملها الحبر الأعظم، ورسائل الرعب والموت التي يرسلها صانعو الحرب بين واشنطن وطهران والقدس.

​رسالةٌ تُعيد التذكير بوطنٍ وُلد ليكون «بلد الرسالة»، وأخرى تُذكّر اللبناني كل يوم بأن الدولة عاجزة عن حماية سيادتها، وأن الاشتباك قد ينفجر في أي لحظة. في هذا الفاصل المُرّ بين الخوف والأمل، يعيش اللبنانيون على عقارب الحرب أكثر مما يعيشون على عقارب السلام. اغتيال يهدّد، وزيارة تمنح الطمأنينة… دولة تنتظر قرار القوى الكبرى، وشعب يتساءل بمرارة: ​”هل سيأتي يوم يُقاس فيه عمرنا على توقيت السلام، لا على توقيت الحرب؟”

​لبنان اليوم هو مساحة بين اشتباك عسكري يُفرَض عليه، ورسالة روحية سامية تُمنَح له، وبينهما يقف الشعب، متطلعًا إلى وطنٍ يحق له أن يعيش فيه بأمان، بعيدًا عن الحروب المتواصلة والانتظار الذي طال لأكثر من نصف قرن.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?