بعد ألفين وخمسٍ وعشرين سنة على ميلاد المسيح، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ماذا بقي من جوهر الميلاد؟ هل ما زال حيًّا في ضمير الإنسان، أم تحوّل إلى طقسٍ موسميٍّ فاقدٍ لروحه؟
وُلد المسيح في مذودٍ متواضع، بلا سلطة ولا سلاح، حاملاً رسالة ثورية تغيرية ابدية: المحبة بدل الكراهية، الغفران بدل الانتقام، والعدل المتجذّر في الرحمة لا في القهر. كان ميلاده إعلانًا لانتصار القيم على القوة، وللقداسة المتجسّدة في الإنسان البسيط لا في القصور والمعابد.
اليوم، بعد أكثر من عشرين قرنًا، تتوه صورة الميلاد بين زينة الأسواق وضجيج الاستهلاك. تُضاء الشوارع، تُعلّق الأشجار، تُتبادل الهدايا، لكن السؤال الجوهري يبقى معلّقًا: هل أضاء الميلاد قلوبنا كما أضاء واجهاتنا؟
في عالمٍ تمزّقه الحروب والقتل والكراهية، ويغرق في الظلم، وتُسحق فيه كرامة الإنسان باسم المصالح، يبدو أن رسالة الميلاد لا تزال تُقرأ… لكن نادرًا ما تُعاش.
جوهر الميلاد لم يكن يومًا في التاريخ، بل في المعنى. لم يكن في الحدث، بل في التحوّل. هو دعوة دائمة وأبدية لأن يولد السلام داخل الإنسان. دعوة لأن نرى الآخر أخًا لا عدوا، وأن نختار الرحمة حين يكون الانتقام أسهل، والحق حين يكون الصمت أكثر أمانًا.
الميلاد اليوم يتجسد في كل فعل محبة صادق، في كل موقف شجاع إلى جانب المظلوم، في كل يدٍ تُمدّ دون مقابل، وفي كل ضميرٍ يرفض التواطؤ مع الشر.
الميلاد الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بقدرتنا على إبقاء الرسالة حيّة في زمنٍ يقتل المعنى.
بعد 2025 سنة، لم يمت جوهر الميلاد… لكنه مازال يقاوم وحش الوثنية المادية العطش الى الدم والحقد والحرب والنار.
….ينتظر قلب إنسان صادق ليولد فيه من جديد.























