يُقال إنّ هناك حبًّا، وهناك عشق…
والعشق يبدأ حين يخاف المحبّ أن يخسر من يحب، فيتحوّل الحب من شعورٍ رومانسي هادئ إلى قلقٍ وجوديٍّ عاصف، ومن عاطفةٍ جميلة ناعمة إلى التزامٍ مؤلم ومكلف.
منذ زمنٍ بعيد، منذ أن بدأنا نمشي ونفكّر ونتعلّم، منحتنا الحياة مئات البراهين على أنّ هناك كثيرين يتربّصون بوطنٍ علّمنا أهلُنا أن نحبّه بلا شروط. لم يكن حبّنا لهذه الأرض خيارًا عابرًا، بل تربيةً وهويةً وانتماء. وهكذا تحوّل حبّ الطفولة البريء إلى عشقٍ مجنون؛ عشقٍ يدافع حتى الشهادة، ويغضب حتى الجنون، ويتألّم حتى يشارك الفادي آلام الصلب، لكنه أبدًا لا يستسلم، ولا ينكسر حتى الرمق الأخير.
منذ عام 1975 وحتى اليوم، لم يخرج هذا الوطن من دوّامة الاحتراق والموت والدمار والجنون والمؤامرات. كم من حلمٍ أُحرق، وكم من بيتٍ تهدّم، وكم من ذاكرةٍ نُهبت، وكم من عائلةٍ هُجّرت، وكم من صديق طفولةٍ استشهد، وكم من شابٍّ وصبيّةٍ ذاقوا العذاب في معتقلات الإجرام والعمالة وكم من محاولات خبيثة حصلت لتغيير وتزوير تاريخه وصورته وكيانه.
ومع ذلك… بقينا.
بقينا مرفوعي الرأس، نكابر على ظلم الأيام، نتحدّى الخيبات وطعنات الغدر، نقاوم اليأس بإبتسامة الأمل وبترنيمة ميلادية بريئة على شفاه طفل حتى يئس اليأس منا. اليوم بتنا نتمسّك بأرضٍنا بجنون أكبر حتى بات عشقنا أسطورة حديثة تضاف الى أساطير ادونيس وعشتار وقدموس وأوروبا.
ليس هذا العشق رومانسيةً ساذجة، بل وجعٌ عميق، متخمٌ بذاكرة الزمن، ومجبولٌ ببخور ألارز والصنوبر وعطر قداسة نسّاك المغاور. هو إدراكٌ عميق بأنّ الوطن ليس قطعة أرضٍ، بل كرامةٌ وذاكرة، وترابُ مقاومين شرفاء، ومغاور قداسةٍ ووفاء، ومستقبلُ أجيالٍ تُسلّم أجيالًا لم تولد بعد عشق الأرز والتراب والجبل والبحر والأساطير وعطر القداسة.
هو خوفٌ دائم من خسارة ما وهبه الله لأجدادنا في لحظة ضعفٍ شيطانية، وخوفٌ أكبر من الاعتياد على الظلم والقهر، ونحن أبناء الحرية؛ فإن فُقدت، فقدنا كلّ شيء. لذلك نعشق هذا الوطن لأننا نخاف عليه، ولأننا نرفض أن نراه يُختزل، أو يُباع، أو يُستباح.
العشق الحقيقي للوطن ليس أن نهتف باسمه، بل أن نرفض سرقته، وأن نُصرّ على بقائه وطنًا لا غنيمة، وبيتًا لا ساحة صراع. وربما لهذا السبب، رغم كل ما احترق، ما زلنا هنا…
نحب، ونعشق، ونأبى أن ننسى.























