المسيرة- منذ الانهيار المالي الذي انفجر في خريف عام 2019، يعيش لبنان أزمةً تتجاوز الأرقام والحسابات، لتطال جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. إنها أزمة وضعت مصرف لبنان، والمصارف التجارية، والدولة، والمودعين في مواجهة مفتوحة، بلا أفق واضح للحل.
غير أن المؤتمر الصحفي الأخير لحاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، أعاد طرح السؤال الجوهري بإلحاح غير مسبوق:
هل نحن فعلًا على أبواب لحظة الحقيقة، أم أننا أمام محطة إضافية في مسار طويل من إدارة الانهيار بدل معالجته؟
لم يولد الانهيار من فراغ. فقد كان نتيجة تراكم طويل لسياسات نقدية ومالية خاطئة، بدأت منذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف: تثبيتٌ مصطنع لسعر الصرف، توسّع غير مضبوط في الدين العام، هندسات مالية راكمت أرباحًا سريعة للمصارف مقابل مخاطر هائلة، وغياب شبه كامل للمساءلة. ويضاف إلى ذلك تجميد العمل بقانون دفتر التوفير الذي أُقرّ بعد أزمة بنك إنترا، تحديدًا لمنع المودعين من ملاحقة أصحاب المصارف قضائيًا، ما شكّل مظلة حماية مبكرة للمنظومة المالية على حساب حقوق الناس.
موّل مصرف لبنان الدولة، وأهدرت الدولة الموارد في مشاريع غير منتجة، غارقة في الصفقات والسمسرات والمحاصصات الطائفية والسياسية. في المقابل، اندمجت المصارف طوعًا في هذا النموذج الريعي، مدفوعة بفوائد استثنائية، فيما وُضعت ودائع اللبنانيين في قلب المنظومة من دون أي حماية فعلية.
هذا النموذج “الغريب العجيب” اهتزّ عام 2001، لكن مؤتمري باريس 1 وباريس 2 أنقذا الوضع مؤقتًا. لاحقًا، ساهمت الفورة الاقتصادية في العراق، والدعم القطري لإعمار ما دمّرته حرب تموز 2006، وعمليات غسل الأموال في إبقاء الانهيار مؤجلًا، من دون أي تغيير في الذهنية الفوضوية الحاكمة.
بعد عام 2012، وعلى رغم الأثر السلبي للنزوح السوري، نقل عدد كبير من السوريين أموالهم إلى المصارف اللبنانية، ما أعطى النظام جرعة أكسجين إضافية، لكنها مؤقتة.
ومع سيطرة حزب الله على القرار السياسي، واستفحال الهدر غير المسبوق في مشاريع وزارة الطاقة منذ عام 2009، من السدود إلى بواخر الكهرباء، تجمّد مشروع سيدر، وبدأ الانهيار الكبير. ثم جاء عهد الرئيس ميشال عون ليزيد الطين بلة، وصفها النائب سليم سعادة بشكل كاريكاتوري حين قال في مجلس النواب: “سيدر راكب ع الموازنة، والموازنة راكبة ع الخزينة، والخزينة راكبة ع مصرف لبنان، ومصرف لبنان راكب ع المصارف، والمصارف راكبة ع المودع، والمودع… المودع العوض بسلامتكم!” ليختم عهد الرئيس ميشال عون إنجازاته مع حكومة حسان دياب عبر الفوضى المالية والفساد تحت شعار “دعم المنتجات”، ما أدّى إلى استنزاف الخزينة وإفلاس الدولة. وعندما انهار النموذج الاقتصادي العجيب، لم تُفتح دفاتر الحقيقة، بل بدأ تبادلٌ منهجي للاتهامات: السلطة تتنصّل، المصارف تلوّح بأنها ضحية، مصرف لبنان يدافع عن نفسه بلغة تقنية، والمودع يُترك وحيدًا ليدفع الثمن.
في هذا السياق، شكّل المؤتمر الصحفي الأخير لحاكم مصرف لبنان نقلةً نوعية في الخطاب الرسمي. فبدل الاكتفاء بالتبريرات التقنية أو الدفاع عن السياسات السابقة، أعلن كريم سعيد عن إجراءات قانونية وقضائية مباشرة بحق أفراد وشركات متهمين باختلاس أموال المصرف المركزي واستنزاف موجوداته عبر آليات غير مشروعة.
الأهم في هذا المؤتمر لم يكن فقط الإعلان عن الدعاوى، بل الرسالة السياسية والمالية الكامنة خلفه:
إقرارٌ ضمني بأن جزءًا أساسيًا من الخسائر لم يكن “قدرًا اقتصاديًا”، بل نتيجة أفعال محددة يمكن ملاحقتها قضائيًا واسترداد الأموال الناتجة عنها، مع التأكيد أن أي أموال تُستعاد ستُستخدم لدعم حقوق المودعين، مع الإشارة إلى أن سعيد تجنب ذكر مسؤولية المصارف بشكل مباشر ومسؤولية مصرف لبنان، خاصة وأن الهندسات المالية والتعاميم الصادرة عن حاكمية مصرف لبنان ساهمت بشكل أساسي في حماية المصارف وظلم المودع؛ لأنها شكلت شبكة أمان حمت المصارف وأهدرت أموال الناس.
هذا التحوّل من موقع الدفاع إلى الهجوم القضائي يعكس إدراكًا متأخرًا، لكنه ضروري، بأن إدارة الأزمة لم تعد ممكنة من دون تحديد المسؤوليات وتسمية المتورطين.
لطالما حاولت المصارف تقديم نفسها كضحية للدولة أو لمصرف لبنان. غير أن الوقائع، كما تثبتها التجربة وكما يلمّح إليها المسار القضائي الجديد، تؤكد أنها كانت شريكًا واعيًا في النموذج الريعي.
فالمصارف لم تُجبر على توظيف الجزء الأكبر من أموال المودعين في دين الدولة أو لدى مصرف لبنان، لكنها فعلت ذلك طوعًا، طمعًا بعوائد مرتفعة، مع علمها الكامل بالمخاطر.
وعليه، فإن أي معالجة جدية لا يمكن أن تعفي المصارف من تحمّل نصيبها العادل من الخسائر، سواء عبر إعادة هيكلة حقيقية، أو عبر تحميل المساهمين فيها والإدارات جزءًا من الكلفة.
على رغم كل ما سبق، تبقى الدولة الطرف الأكثر تقصيرًا. فهي من راكم العجز، وأدار المال العام بلا إصلاح، واستخدم النظام المصرفي كأداة تمويل غير صحية، فأهدرت أموال المودعين على مشاريع فاشلة، ثم غابت عن المشهد عند لحظة الانفجار.
بالرغم من أن الحكومة قدمت خطة الفجوة المالية، إلا أنها لم تقدّم خطة تعافٍ شفافة تُحدّد الخسائر بوضوح، أو تُقرّ توزيعًا عادلًا لها، أو تضع رؤية متكاملة لإعادة بناء الثقة.
ومن دون سلطة تتحمّل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية وتساهم في تحريك عجلة الاقتصاد، تبقى كل الإجراءات الأخرى مجتزأة، وهشّة، ومهدّدة بالفراغ.
لم تعد الأزمة مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا للسلطة اللبنانية ومؤسساتها.
إمّا الاعتراف بالحقيقة كاملة، مهما كانت موجعة، وبناء مسار إنقاذ عادل،
وإمّا استمرار الإنكار، بما يعنيه ذلك من انهيار أعمق وفقدان نهائي للثقة.
لحظة الحقيقة لا تُؤجَّل إلى ما لا نهاية.
والسؤال لم يعد إن كانت ستأتي الحقيقة، بل: كيف ستأتي، وعلى حساب من؟























