المسيرة – مع إطلاق حزب الله صواريخه نحو إسرائيل، من دون أي تنسيق مع الحكومة اللبنانية التي هو شريك فيها، ومن دون أي تقييم للمخاطر التي قد تنجم عن هذا العمل المتهوّر على لبنان وشعبه، بدأت الحدود اللبنانية تشهد تحركات عسكرية إسرائيلية غير مسبوقة، تعكس تصاعد التوتر الإقليمي وتعقيد المشهد الأمني في لبنان.
في جنوب لبنان، بدأ التوغّل البري الإسرائيلي بوتيرة بطيئة لكنها منهجية، وكأنه يعتمد سياسة الأرض المحروقة. وفي الوقت نفسه، لوحظ تحرّك الجيش السوري على الحدود الشمالية، بدأ بإغلاق المعابر غير الشرعية واكتمل باستقدام تعزيزات قتالية، ليبدو لبنان اليوم، بفعل تهوّر حزب الله، محاصرًا بين فكّي كماشة عسكرية، فيما يظلّ البحر متنفسًا وهميًا، إذ تستطيع البحرية الإسرائيلية إغلاق جميع المنافذ البحرية في أي لحظة.
منذ أسبوع، حذر وزير الخارجية يوسف رجي من تداعيات أي تصرفات غير مسؤولة يقوم بها حزب الله على لبنان، مؤكدًا أن مرافق عامة مثل المطار قد تتعرض للقصف، وحذّر من انعكاسات سلبية مدمرة على لبنان دولة وشعبا. للأسف، استُقبل كلامه بالسخرية، وهاجمه جمهور حزب الله والتيار العوني وبقايا الممانعة، بالإضافة إلى بعض المحللين والصحافيين السطحيين، متهمين إياه بالخيانة. لكن مع إطلاق الصواريخ، تحوّل تحذيره إلى واقع مرير، وانقلب السحر على الساحر، وتحوّل الساخرون إلى موقع الغباء والسطحية والسذاجة. وفي محاولة لتفادي الأسوأ، أصدر مجلس الوزراء قرارًا استثنائيًا بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله.
على رغم هذا القرار التاريخي، بدأت بوادر التوغل الإسرائيلي تتضح في الجنوب، مع تصعيد القصف على مناطق البقاع وضواحي بيروت، في مؤشر خطير على تدحرج كرة النار نحو سيناريوهات لا تُحمد عقباها. فالتقدم الإسرائيلي بحجة “نزع سلاح حزب الله”، إذا استمر، قد يحوّل الجنوب إلى نسخة جديدة من غزة، أراضٍ غير صالحة للعيش، ويعيد إحياء الحلم الصهيوني القديم لضم أجزاء من الجنوب إلى إسرائيل.
على الضفة الأخرى، يعكس الحشد السوري عند الحدود الشمالية مخاوف دمشق من تمدد حزب الله داخل الأراضي السورية من جهة، وفرصة للانتقام من الحزب وبيئته الحاضنة نتيجة الجرائم التي ارتكبها خلال مشاركته في الحرب السورية من جهة أخرى.
التهديد القادم من الجنوب والشرق والشمال يُظهر بوضوح أن لبنان أصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين ما كان يسمى بمحور الممانعة وأعدائه الكثر، خاصة وأن حزب الله كشف عن نفسه كفصيل من الحرس الثوري، ووضع بيئته ولبنان في موقع محاصر بين تهديدات إسرائيل ومتطلبات دمشق الاستراتيجية.
في المجمل، توحي التحركات الأخيرة بأن لبنان دخل مرحلة توتر قصوى، تتقاطع فيها عوامل الداخل والخارج على نحوٍ ينذر بتصعيد غير مسبوق، يعيد إلى الأذهان أجواء اجتياح عام 1982 بكل ما حمله من تداعيات كارثية على الدولة والمجتمع.
إن استمرار هذا المسار، يضع البلاد أمام منعطف خطير، ما لم تبادر الحكومة اللبنانية إلى الانتقال من منطق القرارات الورقية إلى منطق التنفيذ الفعلي الصارم لقراراتها السيادية، وفي مقدّمها حصر السلاح بيدها وحلّ جميع الميليشيات وعلى رأسها حزب الله والمجموعات المسلحة التي تدور في فلكه.
لقد تأخر تنفيذ هذا الاستحقاق لعقود، لا لعجزٍ تقني أو نقصٍ في النصوص، بل بفعل تواطؤ أركان في السلطة مع الميليشيا، خدمةً لأهداف شخصية ومصالح ضيّقة، منذ أيام الرئيس إميل لحود حين كان قائدًا للجيش، وصولًا إلى عهد الرئيس ميشال عون.
واليوم، لم يعد التأجيل خيارًا سياسيًا قابلًا للمناورة، بل تحوّل إلى مخاطرة وجودية تهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة وكيانها.
مع تبخر أي أمل في إمكانية تعقل حزب الله، على الدولة اللبنانية أن تحسم أمرها في مسألة السيادة، وتنتقل إلى مرحلة التنفيذ قبل أن تبدأ الكماشة الإسرائيلية-السورية في تقطيع الكيان اللبناني وتدميره.























