المسيرة- في دهاليز التاريخ العربي المعاصر، ثمة خيوطٌ لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحرك العرائس على مسرحٍ يمتد من شواطئ الأطلسي إلى جبال هندوكوش. بدأت الحكاية يوم قرر ملك المغرب الراحل، الحسن الثاني، أن “الأمن” يبرر الوسيلة، فكان أول من فتح أبواب القصر لرياح “الموساد” الباردة في الستينات وتحديداً عام 1965 فيما عرف بـ “عملية ياخين”، ليس حباً في الغريب، بل خوفاً من “جارٍ” جامحٍ في ليبيا، وطموحاتٍ ناصريةٍ كانت تزلزل العروش آنذاك. منذ ذلك الحين، وقطار الخوف يمضي بلا توقف؛ فالحاكم العربي الذي يخشى جاره، يجد في “الشرطي” الإسرائيلي حليفاً ضرورياً، حتى لو كان الثمن هو السيادة ذاتها.
ثورة تحت الرعاية: عودة الرهان الصعب
لم تكن ثورة عام 1979 في إيران مجرد انفجار شعبي، بل كانت في بعض كواليسها “إعادة ضبط” للمنطقة. فبينما كان الشاه يبني جيشاً يقلق الغرب ويطمح لدور “شرطي الخليج” المستقل، فُتحت الأبواب لعودة الخميني من منفاه في باريس بحماية فرنسية وغطاء دولي، كما كشفت وثائق الـ BBC عن رسائل سرية مع إدارة كارتر. كان المطلوب هو “بعبع” أيديولوجي يحل محل القومية العربية؛ بعبع يبرر وجود القواعد الأميركية، ويجعل إسرائيل تبدو كـ “واحة استقرار” في محيط مضطرب.
لعبة الأقنعة: إيران-كونترا والتنسيق المستتر
يخطئ من يظن أن العداء بين طهران وتل أبيب صراعٌ صفري. فالتاريخ يذكرنا بفضيحة “إيران-كونترا” (1985-1986)، حين كانت الصواريخ الأميركية تتدفق لنظام الخميني عبر مطارات إسرائيل لضرب العراق. هنا تبرز الحقيقة الجيوسياسية: إسرائيل بحاجة لبقاء النظام الإيراني كـ “عدو وظيفي” يبرر تغلغلها في العمق العربي، وإيران بحاجة لعدو صهيوني يبرر مشروعها العابر للحدود. الطرفان، وعبر “تنسيق تقاطع المصالح”، يساهمان في تنفيذ خطة السيطرة على النفط العالمي، حيث يمول الأول (العرب) حمايته من الثاني، بينما يضمن الثاني استمرار الحاجة للشرطي الأميركي.
الفوضى الوظيفية: من دمشق إلى “السيارات الرباعية”
على مدى الأربعين عاماً الماضية، كانت السيطرة على منابع الطاقة هي البوصلة الوحيدة لواشنطن. وعندما ظهرت قوى رفضت أن تكون مطواعة بالكامل، مثل النظام السوري الذي منح الأولوية لمصالحه الجيوسياسية الإقليمية، تم استدعاء “خيار الفوضى”. وهنا ظهرت “داعش” كأداة وظيفية؛ فالسلاح الذي مر عبر قنوات “قطرية” ودولية بذريعة دعم المعارضة، والسيارات الحديثة التي غزت الصحاري، أدت الغرض المطلوب: تدمير الجيوش العربية النظامية السورية والعراقية وإذكاء حقد سني-شيعي يجعل المنطقة “سريعة الالتهاب العقائدي” ومستعدة للحريق في أي لحظة.
سيكولوجية الثأر والسيطرة على الطاقة
الشعوب الممتدة من مراكش إلى كابل، على رغم رغبتها في الرخاء، تظل رهينة “العقل المسحور”. يتم استدعاء مظلوميات مضى عليها 1400 عام، كالثأر للحسين، ليتحول الصراع على “أنابيب النفط” إلى “حرب مقدسة”. هذا التجييش يضمن بقاء المنطقة غارقة في استنزاف ذاتي، مما يسهل على أميركا السيطرة على موارد الطاقة للـ 100 سنة القادمة، بينما تبني إسرائيل دولتها في محيط “مسالم” أجبره الخوف من الفرس على قبول “حماية” الصهاينة.
نهاية الفواعل العربية
المحصلة المريرة هي غياب أي طرف عربي قادر على كسر هذه المعادلة. فالمنطقة تحولت إلى “ساحة بريد” لتبادل الرسائل الدامية، بينما تجلس واشنطن وتل أبيب لتوزيع حصص النفوذ. الحقيقة التي يرفض الكثيرون رؤيتها هي أن “الشرطي” و”البعبع” هما وجهان لعملة واحدة؛ الأول يبتز العرب بأمنهم، والثاني يبتزهم بعقيدتهم، والهدف النهائي هو الذهب الأسود في باطن الأرض.
المراجع المعتمدة:
The Tower Commission Report (1987)- لتوثيق فضيحة إيران-كونترا.
- وثائق الـ BBC (2016): حول اتصالات الخميني السرية مع واشنطن قبل الثورة.
- مذكرات رونين بيرغمان (Rise and Kill First): حول تاريخ التعاون الأمني المغربي الإسرائيلي.
- خطة ينون (1982): الاستراتيجية الإسرائيلية لتفتيت المنطقة العربية إلى دويلات طائفية.
Daniel Yergin (The Prize حول صراعات النفط والسيادة العالمية























