لطالما اقترن اسم سمير جعجع بصورة «السجين السياسي» الذي واجه النظام الأمني في زمن الاحتلال السوري، يوم تُرك لبنان وحيداً كجائزة ترضيةٍ تتقاسمها القوى التي دعمت الولايات المتحدة في حربها على العراق. دخل الزنزانة ثابتاً على قناعاته، مؤمناً بحق وطنه في الحياة، وخرج منها أكثر صلابةً وأشد وضوحاً، كمن صاغت المحنة إرادته ورسّخت مشروعه، حاملاً رؤيةً لإعادة بناء «الجمهورية القوية» على ركائز السيادة والحرية والدولة الفعلية. هذا المسار، بما فيه من معاناة وتضحية وصمود، يدفع إلى مقاربة فكرية تتجاوز السياسة اليومية نحو البعد الرمزي: هل يمكن قراءة تجربة “الحكيم” على ضوء رواية “الزنبقة السوداء” للكاتب ألكسندر دوما؟
في تلك الرواية، يُسجن البطل كورنيليوس فان بايرل ظلماً، لكنه يتمسك بهدف يبدو مستحيلاً: إنتاج زهرة كاملة الجمال في عالم يضج بالقبح والمؤامرات. هنا يبرز تقاطع رمزي مع تجربة جعجع؛ فكلاهما دخل السجن بمؤامرة خبيثة، وخرج منه لا برغبة عاطفية عارمة في الانتقام، بل برؤية مستقبلية عقلانية لتحقيق حلم جميل. غير أن الفرق الجوهري يكمن في طبيعة “الزنبقة”: عند كورنيليوس هي زهرة، أما عند جعجع فهي “الجمهورية القوية”.
لبنان، بخلاف حديقة الرواية، ليس تربة سياسية محايدة، بل هو فضاء مشبع بتناقضات تاريخية وهويات متنازعة منذ زمن الاحتلال العثماني ونظام الملل. فالدولة التي يسعى جعجع إلى ترسيخها تصطدم بإشكالية بنيوية: ضعف الانتماء الوطني لدى شرائح واسعة من حملة الجنسية اللبنانية، حيث تتقدم الولاءات الطائفية والخارجية والمصالح الشخصية الضيقة على مفهوم الوطن. في هذا السياق، لا تبدو “الجمهورية القوية” مشروعاً تقنياً قابلاً للتنفيذ السهل، بل معركة قاسية وطويلة تبدأ من تعريف الهوية الوطنية نفسها.
وكما واجه كورنيليوس غوغائية الجماهير وديماغوجية الدعاية وظلم السلطة، يواجه جعجع منظومة أكثر تعقيداً: تحالفاً متداخلاً بين شبكات معقدة ومترابطة في العمق، تجمع بين المصالح الاقتصادية والميليشيات المسلحة الممولة من ايران والولاءات الخارجية الممتدة من عواصم الدول العربية مرورا باوروبا وروسيا وصولا الى واشنطن، بالإضافة إلى نفوذ متجذر قوي لكارتلات مافيوية اقتصادية وعائلية وقبلية تضع مصالحها الآنية فوق الوطن والمواطن. هذه المنظومة، التي تشكل “دولة عميقة” معقدة، لا تكتفي بإعاقة مشروع الدولة، بل تعيد إنتاج ذاتها من خلال اختراقها العميق لمؤسسات الدولة الرسمية، السياسية والإدارية والتربوية والقضائية والأمنية والصحية، وتطويعها لخدمة مصالحها الآنية، ما يجعل أي إصلاح أشبه بمحاولة بناء بيت على رمال متحركة.
يطرح “الحكيم” معادلة واضحة: لا دولة فعلية بوجود سلاح خارج شرعيتها. غير أن هذه المعادلة، رغم منطقها الواضح، تصطدم بواقع التوازنات الداخلية والإقليمية، وبأهداف خلايا إيرانية بُنيت منذ أربعين سنة لخدمة مشروع الدولة الإسلامية الإيرانية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووكيله الولي الفقيه، بالإضافة إلى تحالفاتها العميقة مع مافيات المصالح الشخصية والعائلية والقبلية الضيقة المهيمنة على مفاصل الدولة، مما يجعل هذا السلاح جزءاً من معادلة القوة التي تتحكم بتوازنات السلطة والمجتمع وتحمي مصالح هذه المافيات في لبنان. وهنا يظهر التباين بين منطق الأدب ومنطق السياسة: في الرواية ينتصر الجمال كقيمة حضارية مطلقة، أما في لبنان، فالمنطق والحق لا يكفيان لمواجهة قوة تحالف المافيا والميليشيا المعززة بالمصالح الضيقة والشخصية التي ترسم حدود الممكن.
المعضلة الأعمق تكمن في أن جزءاً من اللبنانيين، بحكم ثقافته وتربيته، ينظر إلى هذا المشروع بعين الخوف والريبة، لا بسبب منطقي وطني واضح، بل نتيجة مفاهيم مغلوطة عن الوطن والانتماء، موروثة من زمن الحكم العثماني. وهكذا تتحول الفكرة من مشروع دولة عصري إلى مادة تدفع إلى الجدل والانقسام، ما يعكس أزمة أعمق تتمثل في غياب سردية وطنية مشتركة يمكن أن يلتقي حولها جميع اللبنانيين.
في المحصلة، يبدو الحكيم أشبه بـ”بستاني سياسي” يحاول استنبات فكرة الدولة في بيئة وطنية شبه صحراوية، مهددة بالتشقق والهزات كلما تبدلت التوازنات في الشرق. فهل ستساهم الهزات السياسية التي تضرب الشرق اليوم والرياح الإقليمية القوية والتغييرات الجيوسياسية القادمة في تطوير وتعزيز التربة الوطنية اللبنانية لتصبح أكثر تقبلاً لفكرة لبنان الوطن، واللبنانيين المنتمين إليه أولاً؟ وهل ننتقل من لبنان الحلم، لبنان شعر سعيد عقل، ومسرحيات الأخوين رحباني، وألحان زكي ناصيف وفيلمون وهبي، ولبنان صوت فيروز وصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين، إلى لبنان الوطن…لبنان الحقيقة الراسخة التي لا نقاش فيها: وطنًا سيدًا، حرًا، مستقلًا، ومزدهرا؟
إلى أن تتجسد هذه الأماني بدولة حرة وانتماء وطني صادق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لمشروع “الجمهورية القوية” أن يتحول من حلم رمزي إلى واقع سياسي؟ أم أن لبنان، بتعقيداته البنيوية مصاب بلعنة “سيزيف” الأغريقي، سيبقى أرضاً تؤجل فيها الأحلام الكبرى إلى أجل غير مسمى؟























