ما لا تمحوه المعاهدات… وما لا يُبنى بنزع السلاح

مفيد خطَّار

 

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

 

المسيرة – حين تنتهي الحروب، تُسارع الدول إلى توقيع الإتفاقيات. فالعالم يبحث دائمًا عن مخرجٍ من النار، وعن صيغةٍ تُعيد ترتيب ما تكسّر وتمنع عودته إلى الإشتعال. لكن ما يُوقَّع في السياسة لا يُعاد بالضرورة تشكيله في الوعي.

فالحدود تُرسَم، والإلتزامات تُدوَّن، والمصالح تُنظَّم. أمّا الذاكرة، فلا تخضع لنصٍّ ولا تُدار باتفاق. إنها تحفظ وجوه الضحايا والشهداء وأصوات الخوف، وصور المدن التي دفعت ثمن الصراع في أمنها وازدهارها ومستقبل أجيالها. لذلك يبقى السؤال قائمًا:

هل تصنع الإتفاقيات سلامًا؟

أم أنها لا تتجاوز إدارة النزاع وتجميد احتمالات انفجاره؟

لقد أثبت التاريخ أن السلام المستدام لا يولد من التوقيع وحده، بل من تحوّلٍ أعمق يطال نظرة الشعوب إلى نفسها وإلى الآخرين. فالسياسة تستطيع أن توقف الحرب، لكنها لا تستطيع أن تأمر الذاكرة بالنسيان، ولا أن تمحو ما ترسّب في الوجدان من خوفٍ وجرحٍ وخسارة.

غير أن السؤال لا يتوقف عند حدود العلاقة بين الدول. فإذا كانت الإتفاقيات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة السلام، فالسؤال الذي يفرض نفسه في الداخل: هل يكفي نزع السلاح وحده لبناء الدولة؟

قد يبدو الجواب بديهيًا. فالدولة الحديثة لا تستقيم مع تعدد مراكز القوة خارج سلطتها. غير أن التجارب تُظهر أن احتكار الدولة للقوة، على ضرورته، ليس سوى شرطٍ من شروط قيامها، لا حقيقتها الكاملة.

إذًا المسألة ليست فقط كيف يُنزَع السلاح، بل كيف تُبنى الدولة بعد ذلك؟ ذلك أن المشاريع التي تمتدّ لعقود لا تترك أثرها في ميدان القوة وحده، بل تتسرّب إلى المؤسسات والإدارات والاقتصاد والثقافة والعلاقات الاجتماعية، وتصبح جزءًا من الواقع. وحين تتراجع، لا تزول آثارها بالسرعة نفسها التي تنحسر بها أدواتها العسكرية.

من هنا، قد يكون نزع السلاح شرطًا أساسيًا لقيام دولة تحتكر وحدها حق استخدام القوة، لكنه لا يكفي وحده لاستعادة الدولة بمعناها الكامل. فالدولة ليست احتكارًا للسلاح فحسب، بل مؤسسات عادلة، وقضاء مستقل، وإدارة تعمل وفق القانون لا وفق موازين النفوذ، وثقافة وطنية تجعل المواطنة المرجعية العليا لجميع أبنائها.

وكما أن الإتفاقيات لا تمحو الذاكرة تلقائيًا، كذلك لا يؤدي نزع السلاح تلقائيًا إلى بناء الدولة. في الحالتين نحن أمام بداية مسارٍ لا نهاية له: بداية سلام يحتاج إلى مصالحةٍ أعمق من الورق الموقّع، وبداية دولة تحتاج إلى إعادة تأسيس تتجاوز الإجراءات والقرارات.

والسؤال الأهم: هل تُوقَّع الإتفاقيات؟ وهل يُنزَع السلاح؟ وماذا بعد ذلك؟ فما يُهدم في سنوات لا يُعاد بناؤه بقرار، وما يترسّب في الذاكرة لا تمحوه المعاهدات، وما يتغلغل في بنية الدولة لا يزول بمجرد تغيّر أدوات القوة. الطريق إلى السلام أطول من إتفاق، والطريق إلى الدولة أبعد من قرار.

وحين تهدأ الضوضاء وتسقط الشعارات، يبقى الإمتحان الحقيقي: هل نملك القدرة على بناء وطنٍ يتجاوز جراحه ويستوعب انقساماته، ويصمد أمام تاريخه؟

هناك فقط يبدأ السلام الحقيقي، وتبدأ الدولة الحقيقية.

فالسلام لا يُختزل باتفاق، كما أن الدولة لا تُختزل بنزع السلاح. كلاهما يبدأ بإجراءٍ سياسي، لكنه لا يكتمل إلا بإعادة بناء الثقة والهوية والمؤسسات.

حكاية صورة

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

21 نيسان

مشكلتهم أنه كان يعلم

whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?