ودخل ملكوت الأقداس راكبًا على أتان أبيه

 أنطون زعرور مخلوف مكاري بقاعكفرا العتيق، الهمَّام التَّقي النَّخي، والمؤسس مع رفاقه مكارية جرد بلاد الجبَّة شركة نقليات تتولاَّها دوابهم سيرًا على تلك القادوميات القروية من حقلة إلى قبو مونة، ومن بيدر إلى مطحنة، ومن ضيعةٍ إلى ضيعة، ومن فلاحٍ مكفيٍّ إلى سلطانٍ مخفي!

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

ذات ليلة مدلهمة الظلم والظلمة، تعرَّض باب بيت أنطون لطرقات بنادق بناديق والي الإحتلال المصري إبراهيم باشا تنفيذًا لفرمان فرعوني من فرمانات السَّخرة الأشد عنجهيَّة واغتصابًا، سخرة نشل القمح البلدي من أفواه أبناء البلد وتحميله من أقبية قصر بيت الدين تحت أنظار بشيره الشهابي أمير البلاد المحكوم على أمره، وتنطلق قوافل الغلال المنهوبة من بتدين المير إلى قرية مجدليا في ساحل بلاد الزاوية وقمح الأهالي يُحمَّل على ظهور البغال شهيدًا ينزف قوتًا ضاع طحينًا وبرغلاً ضاعا عن معجن أهلهم!

لعلَّ قرية غرفين الجبيليَّة في ذلك الزمان، عندها خبر يقين أقرب إلى الإلهام لماذا استقبلت واستودعت في ترابها رفات المكاري البقاعكفري أنطون زعرور مخلوف الواصل إليها منهكًا عليلاً نهاية أيام سخرته. الوالد المنازع نزاعًا غرفينيًا المحروم من توديع أم العيلة بريجيتا الشدياقة البشراوية، ولمحة وجوه البنين حنا، ونوح، وكون ووردة ويوسف أصغر حبَّات القلب والعين!

مَن غير عين القدوس الكاشفة مجاري الدهور ومآتي الأجيال كانت الأعلم بأن استشهاد المكاري البقاعكفري المخلوف يوحنا على دروب آلام قمح موطنه سيؤسس لطفله يوسف ذات السؤال الذي تأسس يوم حلَّت روح الرب على يوحنا بن الكاهن زكريا والشيخة أليصابات، وتساءلت الجماعة في الهيكل: “ما عساه يكون هذا الصبي”.. الأم تعلم، وكاهن الرعية يعلم، وكنائس بقاعكفرا ومغارتها ومراعيها وينابيعها وجرد مزروعاتها عندهم الرؤيا الصَّائبة، وغرفين الجبيلية تحتفظ وتحافظ على دابة مكاري بقاعكفرا إلى يوم يعتلي طيف بقاعها الإبن الأصغر ساعة يهجر أمه وأخوته وبيته وبقاعكفراه هجرة أخيرة. وهذه الضيعة في بلاد جبيل المؤتمنة على عظام أبيه ستكون صلة الوصل لمسيرته الرهبانية الحاسمة منطلقًا من حمى سيدة بقاعكفرا إلى ظلِّ حماية دير سيدة ميفوق مبتدئًا سنة أولى، ثم دير مار مارون عنايا مبتدئًا سنة ثانية، وناذرًا متَّشحًا بإسكيم الملائكيين، وبعدها تلميذ كهنوت بنعمة معلمه قديس كفيفان، والخاتمة سيامة كهنوتيَّة على مذابح كنيسة دير سيدة بكركي صرح المعطى لهم مجد لبنان، وأمجاد الرب ستفيض لاحقًا على تلميذ المعلّم الحرديني، والفلاح التلميذ سيسبق المعلّم إلى كرسي بطرس الرسولي فاتيكان التطويب والتقديس!!

أمَّك على الباب

رئيس دير مار مارون عنايا يستدعي الأخ شربل البقاعكفري ليعلمه: “أمّك عند الباب تنتظركَ، ومع البركة أسمح لك بمقابلتها”. الراهب المدهش في تتميمه نذر الطَّاعة بأكثر من حذافيره وموجباته، كان في هذه اللحظات يصغي إلى صوتٍ ينطلق إليه من ضميره الرهباني المقيم ليلاً نهارًا في فصول وآيات إنجيل الخلاص: “من أحبَّ أبَّا وأمًا أكثر مني فلن يستحقني”، فتغاضى المرهف الطَّاعة عمّا طلبه منه رئيسه، لأجل أن يتمم طاعة ذلك الحب العسير على فهم أبناء العاطفة البنوية البشرية، حبٌ يبدو في ظاهره جلّادًا يسلخ الإبن عن أبيه وأمه وأخوته، لكن خشب باب القلّاية الشربليَّة كان في عقل وقلب وعاطفة الإبن الأصغر للشدياقة بريجيتا جزءًا لا يتجزَّأ من خشبة صَلبٍ تتدفق بدماء مصلوبها على فجيعة أمومة مريميّة وأحضان أمٍ واقفة عند أقدام الصَّليب بمحبَّة مذهلة تغمر هامة مصلوبها وأيادي صالبيه!

يوسف صغير هذه الحنونة يتجادل خلف بابه الرهباني مع شربل الرَّافض بصرامة مقابلة والدة افترس شوك الطريق أقدامها طيلة مسيرة يومين ولا أضنى بين بقاعكفرا وعنايا، وعلى الباب المنسوخ عن خشبة رحلة الآلام حتى الجلجلة نزفت تلك المقهورة كلّ ما في قلبها من دماء تغلي حنانًا وتفور، وكل ما في عينيها من دمعٍ يتوسَّل عبثًا لمحة أم لوجه ولدها المحتجب المتواري خلف محبَّة قد تفسِّرها أطروحةُ الآباء والبنين بأنَّها أنانيَّة إله صار إنسانًا!

وأما اليوم يا شربل لبنان فإنَّ لبنانك بأجمعه يقف في ذات المكان الذي وقفت فيه تلك المشتاقة الملهوفة المخذولة، وقد رفعت أنتَ الموعد الأهم بينك وبينها إلى الأعلى ما في السماوات.. إِنَّك الأدرى يا شربلنا اللبناني بأن الجحيم في سباق محموم مع السماء للوصول قبلها إلى موطنك وموطننا، وجهنميّو الخارج هم في شراسة البلديين وليس مثل بابكَ يردع ويصفع ويصدُّ ويرد عن دار وديار أرز الرب!!

سراجكَ متيقِّظٌ.. لعلنا نستفيق

أقم عرسًا بقاعكفريًا عنَّاياويًا مشتركًا تحوِّل فيه الماء زيتًا، فالعتمات تتوالى، وتتفاعل، وتتمدّد وتتسرَّب، لأجل رهبانيتك وأخوتك الرهبان اجترح هذه الأعجوبة. ضوء سراجك الذي عرَّضك بريئًا لتأنيب الأب الرئيس، تحتاجه أديار تهتدي إلى حصونها، وتستأنس به حصونٌ تسعى للعودة إلى أديارها.. ثلاثية الطاعة والعفة والفقر تجهد وتجاهد كي تمحيَ عنها وصمة الفولكلور، وأساكيمُ تشتهي رؤوسًا وجباه يضوع منها ذلك الطِّيب الملائكي!

كنيستنا المارونية هي في عِجاف هذه الأيام الأحوج إلى مائك المتحِّول زيتًا سراجيًا يجود بكفاف ضياءٍ يكشح ولو بعضًا من هذا الدَّيجور الدَّامس عن الممرات الإلزامية للعودة إلى منابع سروم وكفرحي ووادي حربا، حيث ابتدأ ريش ريشونِه الأول أبون يوحنا مارون، فلا يعود العاج يطغي على خشب الصولجان، ولا يتسرَّب الذهب الثمين القيراط ليطليَ صلبانًا قد صُلِب عليها صليب يسوع النَّاصري!

لأجل لبنانك ولبناننا حوِّل يا شربل كل ما في بقاع كفرا وعنايا من ينابيع مياه إلى معاصر زيت رعايانا اللبنانية، وما مِن سراج غير سراجكَ يكشف لها دروبًا غير تلك التي تقودها للتسكُّع أمام دوائر الهجرة، وتسير بها للإصطفاف أمام مكاتب جوازات السَّفر، وتنتهي بها بين ممرات المطارات وسلالم الطائرات.. أمَّا أديارك وأديارنا فلم يعد لها إلاَّ الإلتحاق المعنوي بالمغتربين إلى حيث يغتربون، وتواريخنا ما زالت حاضرة للشهادة عن أجيال من رهبانٍ ما تغرَّبوا إلاَّ إلى بطون الأودية وحفائر الأشيار وشقوق الأرض!!

حصادان وبيدران وحنطتان

وطنكَ يا شربل الوطن حاله حال أبيك أنطون، لكنَّ بلادنا ما زالت حتى السَّاعة في إجازة سخرة مديدة ممددة هيهات أن تنتهي، ونهايتها أبعد بمجالات من قرية غرفين الجبيلية، وأشبه إبراهيم باشا المصري أكثر من الكثير، ويضاهونه طغيانًا، ويتفوَّقون عليه بأعداد أتباع يتباهون باختيارهم لمهمة سوق الدواب والبغال والحمير المدرَّبة على إفراغ أهراءات شعب لبنان الحزين ومستودعاته ودهاليزه من قمحها، وطحينها، وخبزها، ودوائها، وضرورياتها، ومستقبل الأبناء وسوقهم جميعًا إلى أجواف “أحمد باشا الجزّار” في أيِّ نظام تواجد وتأبَّد وتحكَّم بالأرزاق والأعناق والأرواح!!

بونا خبز الزهد ومسح الشوك

كوالدكَ الذي وقع مرارًا تحت أحمال القمح الشهيد، كذلك وقعت أنت ثلاثًا تحت خبزٍ أفخارستيٍ هو من أصل قمح أنطون وخمير وعجين بريجيتا. المسكونة تأتي من مشارقها ومغاربها وفي عينها مخدتكَ الحطب عرشًا من سماء وفراشكَ البْلاس حياكة أيادي الأزليين. كما أنَّ المترهب لديره، كذلك هو المترهِّب للبنانه.

وحدك أنتَ مَن تذكَّر وتنبِّه هذين المترهِّبين بصياغة ذلك الجواب الشربلي واللهجة البقاعكفرية: “الرَّاهب لبيترك ديرو ملزوم يرجع يترهَّب من جديد”!!!

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

daccache2
daccache1
alexandre
abi tayeh
hboubna
support
fiordelli2
fiordelli1
two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?