أعادت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة رفع سقف آمال اللبنانيين بإمكانية استعادة الدولة لدورها الطبيعي. فقد حملت الزيارة رسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي مستعد لدعم لبنان، لكن هذا الدعم يبقى مشروطاً بقيام الدولة بمسؤولياتها الكاملة، وفي مقدمتها بسط سيادتها وحصر السلاح بيدها.
هذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها اللبنانيون أمام لحظة مفصلية. فمنذ خروج الجيش السوري عام 2005، انقسم اللبنانيون بين رؤيتين متناقضتين في مقاربة ملف “حزب الله”:
– الرؤية الأولى: اعتبرت أن الحزب يمكن أن يتحول تدريجياً إلى حزب لبناني طبيعي، وأن اندماجه في الدولة ممكن عبر الحوار والمشاركة السياسية، لا سيما بعد صدور وثيقته السياسية عام 2009 التي رأى فيها البعض مؤشراً على هذا التحول.
– الرؤية الثانية: اعتبرت أن هذا الرهان يتجاهل جوهر الحزب وهويته العقائدية، لأن حزب الله—وفق بيانه التأسيسي الصادر عام 1985—هو جزء من مشروع ولاية الفقيه، ويؤمن بأن لبنان ليس كياناً نهائياً مستقلاً، بل جزء من الأمة الإسلامية التي يقودها الولي الفقيه. وانطلاقاً من هذا المفهوم، رأت هذه المقاربة أن الحزب ليس مجرد تنظيم لبناني، بل فصيل عقائدي مرتبط عضوياً بالمشروع الإيراني، وأن أي محاولة لـ«لبننته» ستصطدم بهذه البنية الفكرية والتنظيمية.
بعد أكثر من عقدين، تبدو التجربة العملية كفيلة بالحكم بين الرأيين. فكل المحاولات التي هدفت إلى دمج الحزب في منطق الدولة لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من انهيار الدولة وتحويلها إلى مجرد غطاء فارغ المضمون يوفر الحماية لحزب الله ومشاريعه. وقد بلغ هذا الوضع ذروته في عهد الرئيس ميشال عون، مما أدى إلى فوضى عارمة وانهيار مالي واقتصادي مخيف ما تزال آثاره السلبية تقض مضاجع اللبنانيين حتى اليوم.
اليوم، وبعد التحولات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة، وبناءً على نتائج زيارة واشنطن، لم يعد المطلوب إعادة النقاش النظري نفسه، بل الانتقال إلى مرحلة تنفيذ الدستور وتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. فاللبنانيون لا يريدون مزيداً من المهل أو التسويات المؤقتة، بل يريدون دولة واحدة، وجيشاً واحداً، وقراراً وطنياً واحداً.
إن نجاح زيارة رئيس الجمهورية لن يُقاس بحجم الدعم السياسي الذي تلقاه، بل بقدرته على تحويل هذا الدعم إلى قرارات تنفيذية واضحة تعيد للدولة كامل صلاحياتها وسيادتها. فهذه الفرصة قد تكون الأخيرة، وإهدارها لن يعني استمرار الأزمة فحسب، بل خسارة ما تبقى من ثقة اللبنانيين بدولتهم، واندثار آخر أمل بلبنان الكبير بشكله الحالي.
























