الوهمولوجيا… حين يصبح الوهم حقيقةً ويدافع الإنسان عنها

المسيرة- أخطرُ ما يصيب الإنسان ليس أن يخطئ في رؤية الحقيقة؛ فالخطأ بدايةُ معرفة، أمّا الوهم الذي يظنّ نفسه حقيقةً فهو نهايةُ كلّ بحث. فالإنسان لا يفقد إنسانيته عندما يجهل، بل عندما يفقد القدرة على مراجعة ذاته، ويغلق قلبه أمام نور الحقيقة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

وهنا تولد الوهمولوجيا: ليست مجرّد وهمٍ عابر، ولا فكرةٍ خاطئة، بل منظومةٌ فكريّة تُعيد إنتاج الوهم، وتمنحه لغة الحقيقة وسلطتها، حتى يغدو الإنسان مستعدًّا للدفاع عنه، ولو كان الثمن كرامة الإنسان أو جراح الآخرين أو مستقبل الأوطان.

لقد عرف التاريخ نماذج كثيرة من الوهمولوجيا. فأفكارٌ بدأت بوعد الخلاص انتهت بصناعة الألم. والاستبداد، والتعصّب، والعنصريّة، لم تولد من حبّ الشرّ، بل من يقينٍ ادّعى امتلاك الحقيقة كاملة، فحوّل الإنسان إلى وسيلةٍ في خدمة الفكرة. وكم أشعلت أوهام الحقيقة حروبًا، وكم صنعت يقينيّات البشر مآسي، لأنّ الإنسان فضّل وهمًا يمنحه القوّة على حقيقةٍ تدعوه إلى التواضع.

فالمشكلة ليست في أن يجهل الإنسان الحقيقة، بل في أن يصنع لنفسه حقيقةً على صورته، ثم يعبدها. وعندما يتوقّف عن البحث عن الحقّ، ويبدأ بالبحث عن حقٍّ يوافق رغباته، يصبح هو المرجع الأخير لكلّ شيء؛ يحدّد الخير والشر، ويمنح الأشياء أسماءها الجديدة. وعندما يصبح الإنسان مرجعَ الحقيقة، تتحوّل الحقيقة إلى مرآةٍ تعكس صورته، لا إلى نورٍ يكشفها.

ومن هنا يبدأ أخطر التحوّلات؛ فلا يعود السؤال: «هل هذا حقّ؟»، بل: «هل يخدم مصلحتي؟». فلا تُقاس الأفكار بصدقها، بل بقدرتها على إرضائنا أو تقويتنا، وما توافق عليه الجماعة يُمنح شرعيّةً، وما ترفضه يُقصى، ولو كان أقرب إلى الحقيقة.

وهكذا، بدل أن يغيّر الإنسان قلبه، يبدأ بتغيير أسماء الأشياء. فيُقدَّم الخطأ على أنّه ضرورة، والانحراف على أنّه حرّيّة، والأنانيّة على أنّها حقٌّ شخصي، والكذب على أنّه رواية بديلة، فيغدو تغيير المعاني أسهل من تغيير الضمائر.

فالحرّيّة المنفصلة عن الحقيقة تصبح عبوديّة، والحبّ المنفصل عن المسؤوليّة يفقد جوهره، والقوّة المنفصلة عن العدالة تتحوّل من حماية الإنسان إلى أداةٍ لسحقه.

ولعلّ أخطر ما تصنعه الوهمولوجيا أنّها لا تطلب من الإنسان أن يكره الحقيقة، بل أن ينسى وجودها. فهي لا تقول له: «اتبع الشرّ»، بل تقنعه بأنّ ما يفعله هو الخير بعينه. وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لوهمه، لا لأنّه أُجبر عليه، بل لأنّه أحبّ الصورة التي صنعها لنفسه.

وإذا كانت الوهمولوجيا تُفسد الأفراد، فإنّها تكون أشدَّ فتكًا حين تتحوّل إلى ثقافة وطنٍ بأكمله. فالأوطان لا تسقط دائمًا بسبب أعدائها، بل قد تسقط عندما تصبح الأوهام أقوى من الحقيقة. فعندما تُقدَّم الانقسامات على أنّها حماية، والارتهان على أنّه حكمة، والتعصّب على أنّه وفاء، والهزيمة على أنّها انتصار، يفقد الوطن بوصلته قبل أن يفقد أرضه، لأنّ سقوط المعاني يسبق سقوط الأوطان.

لكنّ رسالة لبنان بقيت، وستبقى، خارج منطق الوهمولوجيا. فلبنان، في جوهر رسالته، ليس مشروع غلبةٍ على حساب الإنسان، ولا ساحةً لعبادة الأوهام، بل شهادةٌ حيّة على أنّ الإنسان أغلى من السلطة، وأنّ الحقيقة أقوى من الدعاية، وأنّ الشراكة أسمى من الغلبة، وأنّ المحبّة أقوى من الكراهية.

وكما أبقى الله، في الأزمنة الصعبة، بقيّةً لم تركع للبعل، أبقى في لبنان قلّةً أمينة لم تنحنِ أمام أوثان العصر، ولا أمام أوهام القوّة والكراهية. قلّةٌ بقيت خميرةً صالحة في عجين الوطن، تحمل روح التجديد، وتشهد للإيمان والرجاء والإنسان الذي لا يفقد وجهه مهما اشتدّت العواصف.

فهؤلاء هم الخميرة التي تحفظ الرسالة؛ لأنّ الأوطان لا تُبنى بكثرة العدد، بل بصدق القلوب. ولا يحفظها الأقوياء وحدهم، بل الأمناء. ولا يخلّدها السلاح، بل الحقيقة التي يشهد لها أناسٌ مستعدّون لدفع ثمنها.

يبقى لبنان ما بقي فيه أناسٌ يفضّلون الحقيقة على الوهم، والضمير على المصلحة، والإنسان على الأيديولوجيا. وما يُبنى على الإيمان والرجاء والمحبّة لا تهدمه قوى الموت، لأنّ نور الحقيقة قد يُحاصَر، لكنّه لا ينطفئ، ولأنّ الإنسان، مهما ضلّ في أوهامه، يبقى مدعوًّا دائمًا إلى أن يعود إلى الحقيقة التي تحرّره.

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

daccache2
daccache1
alexandre
abi tayeh
hboubna
support
fiordelli2
fiordelli1
two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?