لم تكن كلمة الدكتور سمير جعجع في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب مجرد خطاب سياسي في مناسبة حزبية، بل بدت أقرب إلى وضع خريطة طريق متكاملة لقيام الدولة اللبنانية. فـ”الحكيم” لم يتوقف عند سلاح “حزب الله” باعتباره مشكلة أمنية داخلية، بل وضعه في سياق أوسع يتعلق بمفهوم الدولة نفسها، وبقدرتها على امتلاك قرارها، وفرض سلطتها، وإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة علاقاتها العربية والدولية.
الفكرة المركزية التي يمكن اختصار الخطاب بها هي أن لبنان لا يستطيع أن يتحول إلى دولة فعلية ما دامت هناك سلطات وأجنحة عسكرية وأمنية تعمل خارج مؤسسات الدولة، وما دام القرار السياسي والأمني موزعاً بين الدولة و”الدويلة” التي لا تكتفي بامتلاك سلاح خارج الشرعية، بل تمارس نفوذها من داخل مؤسسات الدولة عبر أذرعها وشبكاتها في ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود قوة موازية للدولة، بل في قدرتها على التأثير في الدولة نفسها، وتعطيل قراراتها أو الالتفاف عليها، بما يبقي السيادة منقوصة ويحول دون بناء دولة قادرة على فرض القانون، وحماية مؤسساتها، واتخاذ قراراتها بحرية واستقلال.
من هنا وضع جعجع مسألة حصر السلاح بيد الدولة في صلب معادلة قيام الدولة، معتبراً أن حل الأجنحة العسكرية والأمنية غير الشرعية، اللبنانية والفلسطينية، وفي طليعتها أجنحة «حزب الله»، ليس مطلباً خارجياً فحسب، بل شرطاً لبنانياً وعربياً ودولياً لعودة لبنان إلى موقعه الطبيعي.
والأهم أن جعجع لم يطرح الجيش باعتباره مجرد أداة لجمع السلاح، بل باعتباره المؤسسة الشرعية التي يجب أن تستعيد الدولة من خلالها احتكار القوة وقرار الدفاع عن لبنان. وفي هذا السياق، وجّه انتقاداً لافتاً إلى أداء قيادة الجيش، عندما اعتبر أن حديث قائد الجيش عن اتخاذ القرارات “وفق ما يتناسب مع الظروف المعقدة” يتجاوز، الحدود الطبيعية للدور العسكري ويدخل في مساحة القرار السياسي التي تعود فقط إلى السلطة المنتخبة.
وهذه المسألة تستحق التوقف عندها، لأن بناء الدولة لا يعني فقط أن يكون السلاح في يد الجيش، بل يعني أيضاً أن يكون الجيش خاضعاً للقرار السياسي للدولة. فالدولة الديمقراطية تفصل بين من يضع السياسة ومن ينفذها: الحكومة والسلطة السياسية تحددان القرار الوطني، والجيش والمؤسسات الأمنية تنفذ هذا القرار وفق الدستور والقانون. وبالتالي، فإن قوة الجيش لا تكون في استقلاله عن السلطة السياسية، بل في استقلاله عن تأثير الأحزاب والمرجعيات الخاصة، وفي خضوعه الكامل للسلطة المدنية الشرعية المنتخبة من الشعب. فالجيش القوي هو الذي يمتلك القدرة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه لا يتحول إلى طرف سياسي أو صاحب قرار سياسي مستقل عن السلطة السياسية.
من هنا يصبح الحديث عن “قيام الدولة” أكثر شمولاً: المطلوب ليس فقط إنهاء السلاح الموازي للدولة، وإنما أيضاً إعادة تثبيت التسلسل المؤسساتي الذي يجعل القرار السياسي للدولة، والتنفيذ الأمني والعسكري للمؤسسات الشرعية.
هذه النقطة تلتقي في جوهرها مع انتقاد الحكيم لما سماه “الدولة العميقة»، أي شبكات المصالح والنفوذ التي ترسخت داخل الإدارات والأجهزة والمؤسسات منذ زمن الاحتلال السوري، والتي تستطيع تعطيل القرار الرسمي أو الالتفاف عليه عندما يتعارض مع مصالحها الخاصة.
فالدولة لا تصبح دولة فعلية بمجرد امتلاكها السلاح، بل عندما تصبح مؤسساتها أقوى من الأشخاص والأحزاب والمرجعيات. وهذا يتطلب جيشاً وطنياً قوياً، وقضاءً مستقلاً نزيها وإدارة فعالة خالية من الفساد، وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون، وسلطة سياسية تمتلك الجرأة لاتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه.
ومن هنا جاء انتقاد جعجع لبعض ممارسات السلطة الحالية. فهو، على رغم اعترافه بوجود قواسم مشتركة مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، شدد على أن الانتقال إلى دولة المؤسسات لا يقاس فقط بغياب الفضائح، بل بسرعة الإصلاح، ووضوح القرار، واحترام التسلسل المؤسساتي، وتطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء.
أما في الملف الاقتصادي، فوضع جعجع الإصلاح المالي والمصرفي في صلب عملية الإنقاذ، محذراً من أن استمرار التأخير في معالجة الودائع والفجوة المالية وإعادة بناء القطاع المصرفي يعني استمرار استنزاف ما تبقى من ثقة اللبنانيين ببلدهم ومؤسساتهم.
وهنا تبرز معادلة مترابطة: لا يمكن بناء دولة قوية من دون مؤسسات قوية، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية من دون قرار سياسي واضح، ولا يمكن أن يكون القرار السياسي واضحاً إذا بقيت هناك قوى مسلحة أو شبكات نفوذ قادرة على تعطيله أو الالتفاف عليه.
أما البعد الآخر في مشروع الدولة فهو استعادة لبنان لعلاقاته العربية والدولية. فالدولة التي تمتلك قرارها السيادي تستطيع أن تحدد سياستها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، أما الدولة التي يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من محور إقليمي، فتدفع ثمن صراعات لا تخدم بالضرورة مصالح شعبها.
ولهذا ربط جعجع بين إنهاء السلاح خارج الدولة وبين إعادة بناء علاقات لبنان الخارجية. فالسيادة في هذا المفهوم ليست شعاراً داخلياً، وإنما شرط لاستعادة الثقة بلبنان كدولة قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.
واللافت أن جعجع أكد أن الخلاف مع “حزب الله” هو خلاف مع مشروع سياسي وسلاح خارج الدولة، وليس مع الطائفة الشيعية. وهذه نقطة أساسية في بلد لطالما تحولت فيه الخلافات السياسية إلى انقسامات طائفية.
كما أن طمأنته للبقاعيين ورفضه استخدام المخاوف من الحدود السورية ذريعة لاستمرار السلاح خارج الدولة يعيدان النقاش إلى قاعدة واضحة: حماية الحدود مسؤولية الجيش اللبناني، والدفاع عن لبنان مسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية.
في المحصّلة، يمكن قراءة خطاب “الحكيم” اليوم كتجديدٍ عصري لمشروع الرئيس الشهيد بشير الجميل، من خلال وضع خمسة عناوين مترابطة لقيام الدولة: احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، بناء جيش وطني قوي خاضع للسلطة السياسية، تفكيك شبكات “الدولة العميقة”، إصلاح المؤسسات والاقتصاد، واستعادة العلاقات العربية والدولية على أساس السيادة والمصلحة اللبنانية.
وهذه العناصر ليست ملفات منفصلة. فالسلاح خارج الدولة ينتج قراراً سيادياً ناقصاً، والقرار السيادي الناقص يضعف المؤسسات، وضعف المؤسسات يفتح الباب أمام شبكات النفوذ والزبائنية، فيما يؤدي الانهيار الاقتصادي إلى إضعاف قدرة الدولة على القيام بوظائفها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي طرحه جعجع ليس فقط: ماذا سيفعل “حزب الله”؟ بل ماذا ستفعل الدولة، وكيف ستجعل مؤسساتها، وفي طليعتها الجيش، تنفذ قرارها؟
لقد عاش لبنان عقوداً من دولة ناقصة، وسلطات موازية، وارتباطات خارجية، وانهيارات متتالية. واليوم تبدو الفرصة متاحة، ولو كانت صعبة، للانتقال من دولة التسويات الموقتة إلى دولة المؤسسات.
وهذا هو جوهر الرسالة التي أراد “الحكيم” تثبيتها: قيام الدولة ليس شعاراً، ولا قراراً سياسياً منفرداً، ولا مجرد جمع للسلاح؛ إنه مشروع متكامل يبدأ بالسيادة، ويستند إلى جيش وطني قوي خاضع للقرار السياسي، ويمر بالمؤسسات والإصلاح والاقتصاد، وينتهي بدولة واحدة يكون قرارها واحداً، وقانونها واحداً، وسلاحها واحداً، وعلاقاتها الخارجية خاضعة حصراً لمصلحة لبنان.























