المسيرة- يدخل السيرك بثوبه الملوّن، يرسم على وجهه ضحكة، ويخرج منها ليمنح الأطفال لحظة فرح. يعرف دوره، ويعرف مكانه، ويعرف أن العرض سينتهي، وأن عليه أن يعود إلى حيث ينتمي.
لكن ماذا يحدث حين يخرج المهرّج من السيرك؟
حين يعبر حدوده إلى البيت، ثم إلى الوطن؟
هنا لا يعود الأمر مضحكًا.
فالطفل الذي لا يجد في بيته ما يبعث على الفرح، يبحث عنه في مكان آخر. وحين يصبح السيرك أقدر من البيت على صناعة البسمة، لا تكون المشكلة في المهرّج، بل في البيت الذي فقد قدرته على أن يكون بيتًا.
والوطن، في بدايته، ليس قصرًا ولا عَلَمًا ولا حدودًا.
الوطن بيتٌ كبير.
فيه يتعلّم الإنسان أن للحرّية حدودًا، وللحق مسؤولية، وللآخر مكانًا، وللقانون كلمة أخيرة.
وحين يختلّ معنى البيت، لا يبقى الوطن بعيدًا عن هذا الاختلال.
فماذا يحدث حين يسكن المهرّج الوطن؟
لا يصبح المهرّج مسؤولًا، يصبح الوطن سيركًا.
وحين يصير الوطن سيركًا، تختلط الأدوار.
من كان عليه أن يحمي القانون يصبح فوق القانون.
ومن كان عليه أن يحرس المال العام يتعامل معه كأنّه غنيمة.
ومن كان عليه أن يخدم المواطن يطلب منه أن يصفّق.
ومن كان عليه أن يحمي الوطن يطلب من الوطن أن يحميه.
عندها لا يعود المهرّج شخصًا. يصبح حالة.
وقد لا يرتدي ثوبًا ملوّنًا.
قد يرتدي بدلة رسمية، أو يحمل شعارًا، أو يتحدث بلغة الحكمة، أو يرفع راية الخلاص.
وهنا يصبح المهرّج أخطر.
فمهرّج الأطفال يعرف أنه مهرّج.
أما مهرّج الكبار، فمأساته أنه يظن نفسه مسؤولًا.
يحمل السِّلاح، ثم يتحدث عن السَّلام.
يمتلك القوة، ثم يتحدث عن العدالة.
يصادر قرار الوطن، ثم يقول إنه يحمي الوطن.
ويقف أمام الناس طالبًا منهم أن يصدقوا أن السيرك طريق الخلاص.
ولأن المهرّج لا يعيش وحده، فإن لكل سيرك جمهورًا.
جمهور يضحك.
وجمهور يصفّق.
وجمهور يخاف.
وجمهور اعتاد المشهد حتى صار يظنّه قدرًا.
وهكذا يكبر السيرك.
لا لأن المهرّج قوي وحده، بل لأن الناس، حين تفقد قدرتها على رؤية الحقيقة، قد تمنح الوهم عمرًا أطول من عمر الحقيقة.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية.
ليست المأساة في أن يكون في لبنان مهرّجون. فالمهرّجون موجودون في كل مكان.
المأساة أن يتحوّل الوطن نفسه إلى سيرك، وأن يُطلب من أهله أن يصدّقوا أن ما يرونه من خراب ليس خرابًا، وأن ما يعيشونه من خوف هو أمان، وأن ما يُصادر منهم باسم الوطن هو الوطن نفسه.
وحين يصبح السِّلاح لغةً للسياسة، والمال العام غنيمة، والقانون قابلًا للاستثناء، والمواطن مجرّد جمهور، لا يعود السؤال:
من هو المهرّج؟
بل يصبح السؤال:
من سمح للمهرّج أن يسكن الوطن؟
لقد تعب لبنان من العروض.
تعب من مهرّجين كتبوا له تاريخًا لا يشبهه، ومن آخرين يحاولون أن يكتبوا له حاضرًا لا يليق به.
وتعب من الذين جعلوا من الخوف وسيلة حكم، ومن الوهم وسيلة بقاء، ومن الانقسام وطنًا بديلًا.
«لبنان يا قطعة سما»…
لكن السماء ليست سقفًا نعلّق تحته أحلامنا ثم نتركها معلّقة.
السماء فضاء.
والحرّية فضاء.
والوطن أيضًا فضاءٌ يتّسع للجميع، لا مسرحٌ يحجز مقاعده الأقوياء، ويطلب من الآخرين التصفيق.
لقد آن للبنان أن يعيد ترتيب أدواره:
أن يعود السِّلاح إلى مكانه الطبيعي، والسلطة إلى هيبتها، والقانون فوق الجميع، والمال العام أمانةً لا غنيمة، والمواطن مواطنًا، لا تابعًا ولا جمهورًا.
وأن يتذكّر كل من دخل الحياة العامة أن الوطن ليس ملكًا لمن يحكمه، ولا لمن يحمل سلاحه، ولا لمن يرفع صوته باسمه.
الوطن أكبر من الجميع، بحاجة إلى حكمة الحكماء وتعفف القدِّسين.
وحين تعود الأشياء إلى أماكنها، لا يعود لبنان بحاجة إلى مهرّج، بل إلى مسؤول حكيم.
يعود هو نفسه.
يعود وطنًا.
فالمهرّج الحقيقي مكانه السيرك.
هناك يستطيع أن يُضحك الأطفال، ويمنحهم فرحًا لا يؤذي أحدًا.
أما حين يسكن المهرّج الوطن، فإن الضحك ينتهي.
ويبقى الخوف.
ويبقى الخراب.
ويبقى السؤال معلّقًا فوق لبنان:
متى ينتهي العرض؟
ربما حين نقرر، نحن، أن العرض انتهى.
وأن الوطن ليس سيركًا.
وأن المهرّج ليس حكيمًا.
وأن السلاح ليس دولة.
وأن المواطن ليس جمهورًا.
ليَعُد المهرّج إلى السيرك، وليَعُد لبنان وطنًا.























