تحوّل النزيف المتمادي على طرقات لبنان من مجرّد حوادث سير عابرة أو “قضاء وقدر” إلى جريمة هيكلية مكتملة الأركان، تتغذّى على الشلل المؤسساتي واستسهال حلول الحملات الموسمية والغياب المتمادي للردع. وبين رادارات تُشغَّل كأدوات جباية مالية مقطوعة تفقد قيمتها الوقائية، وتوقّف قسري للمعاينة الميكانيكية لأكثر من أربع سنوات، وشلل تامّ لـ”المجلس الوطني للسلامة المرورية”، تدفع العائلات اللبنانية الضريبة الأغلى من أرواح أبنائها على الطرقات.
واقع مأساوي يفرض تفكيك التخبّط التشريعي والرقابي عبر التقييم الفني والهندسي للخبراء، ومواجهته بشهادات أسر الضحايا التي تحوّل حزنها الشخصي إلى صرخة إنسانية ومساءلة حادّة لنهج رسمي ما زال يتعاطى مع ضحايا الطرقات كأرقام صمّاء في الإحصاءات المرورية.
تكشف القراءة الميدانية والموضوعية لواقع السلامة المرورية في لبنان عن أزمة مفاهيمية عميقة تتجاوز مجرد تطبيق جزئي لقانون السير، إذ إنّ اختزال المعالجة الوطنية في تفعيل رادارات السرعة وتسطير محاضر الضبط الفجائية يمثّل، بحسب الخبراء، إستجابةً قاصرةً لا تلامس جذور المشكلة. في هذا السياق، يوضح خبير السلامة المرورية ورئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية (LIRSA)، كامل إبراهيم، أنّ تفعيل رادارات السرعة ليس خطوةً مستحدثةً أو حلًّا بذاته، بل هي أداة كانت مفعّلةً وموجودةً سلفاً وأُعيد الإعلان عنها مؤخّراً. ويؤكّد إبراهيم أنّ أي معالجة لمشكلة الحوادث في أي دولة لا يمكن أن تقتصر على تسطير محاضر ضبط مالية للسرعة، نظراً لغياب منظومة الردع الشاملة ومفهوم “هيبة القانون” في لبنان، وهو المفهوم الذي يحتاج لتضافر عناصر مؤسسية عدّة لتأكيده وتطبيقه دون استثناءات أو تدخّلات نافذة لإلغاء المحاضر.
من جانبه، يتقاطع الخبير المحلف لحوادث السير، جوزاف منسّى، مع هذا الطرح بتمييزه الحاسم بين “الوسيلة” و”الغاية” في المنظومة العقابية، حيث يرى أنّ الرادار ليس إلّا أداةً تقنيةً مجرّدةً تنتهي فعاليتها عند حدود التقاط المخالفة، بينما تكمن الغاية الأساسية في إيصال رسالة ردعية وجدّيّة تذكّر السائق بأنّه مسؤول عن حياته وحياة الآخرين. ويشدّد منسّى على أنّ الاكتفاء بفرض محاضر ضبط مالية من دون وجود محاسبة صارمة وتطبيق حقيقي للغرامات يفرِّغ الإجراء من قيمته الوقائية، وتحوّل إلى عملية إدارية لا تؤثّر في سلوك المتهوّرين، لا سيما في ظلّ غياب الرقابة المستمرّة وتأخّر وصول المحاضر لأصحابها لسنوات، ما يجعل الرادار عاجزاً بمفرده عن كبح الفوضى المرورية. لذا، يطالب منسى بالإنتقال الصارم نحو “تصاعدية الغرامة”، بحيث يتم التعاطي مع حجم الخطر وتجاوز السرعة بأسلوب جنائي، إذ لا يجوز المساواة بين مَن يقود بسرعة 100 كم/ساعة ومَن يقود بسرعة 150 كم/ساعة، حيث يتحوّل الأخير إلى مجرم مستحقّ للعقوبات المشددة كالحبس الفوري وحجز المركبة وسحب الرخصة بدلاً من الإكتفاء بضبط مالي بسيط لا قيمة له.
وفي هذا السياق، يشير كامل إبراهيم أنّ تحقيق الردع الحقيقي يقتضي تضافر عدة عناصر تبدأ من رفع قيمة الغرامات لتشكّل جزءاً مؤلماً للمخالفين، وتمرّ عبر سرعة إبلاغ المحاضر لقطع الطريق على عادة التكرار، وتنتهي بإنهاء حالة الوساطة أو التدخّلات لدى القضاء والضبّاط لإلغاء محاضر الضبط. ويؤمج أنّ غياب هذه المنظومة العقابية المتكاملة والتصاعدية يحوّل التطبيق القانوني إلى حركة دائرية مجرّدة تفشل في حماية الأرواح، وتبقي البلد تحت وطأة كلفة اجتماعية واقتصادية ونفسية باهظة تُدفَع يومياً على الطرقات.
تأثير الأزمة الاقتصادية وتآكل “هيبة القانون”
الرهان على الخروج من دائرة الإجراءات الموسمية الموقّتة، بحسب إبراهيم، يعتمد على إعادة تفعيل “المجلس الوطني للسلامة المرورية” المنصوص عليه في قانون السير لعام 2012، معتبرًا أنّ غياب الاستراتيجية الوطنية الشاملة المحصّنة بقرار سياسي وتمويل متكامل يفقد أي حركة أمنية قيمتها المستدامة. فمن دون هذه الهيكلية التي تصيغ خططاً ملزمة للوزارات والإدارات وتخضعها للرقابة الدورية، ستظلّ الإستجابة الرسمية رهينة التفاعلات اللحظية التي ترتفع مع التصحيح الإعلامي للحوادث القاتلة وتتراجع فور انحسار الضوء عنها، ممّا يترك الشارع لمسارٍ دائمٍ من المخاطر.
ولا يمكن فصل تفاقم فوضى السير في لبنان عن الشلل المؤسساتي والمالي الناجم عن الأزمة الاقتصادية وتداعيات الإنهيار الذي بدأ عام 2019، إذ تحوّلت البيئة المادية والمالية المتدهورة إلى أرضية خصبة لتآكل قيمة العقوبة وغياب الهيبة الأمنية في الشارع. وفي هذا الإطار، يشير إبراهيم إلى أنّ البلاد ما زالت تعيش التداعيات المباشرة للأزمة الماليّة التي أثّرت بشكلٍ حادٍّ على رواتب وقدرات عناصر قوى الأمن الداخلي من جهة، وعلى القيمة الفعلية للغرامات المرورية من جهة أخرى. فالغرامات المحدّدة قانوناً باتت متدنّيةً جدّاً مقارنة بقيمتها القائمة قبل عام 2019، الأمر الذي يفقد محضر الضبط قوّته الردعية المرجوة، إذ لم يعد المبلغ المفروض يشكّل عبئاً مالياً يمنع السائق من ارتكاب المخالفات الخطرة، مشدّدًا على أنّ استعادة هيبة القانون تتطلب رفع قيمة هذه الغرامات لتشكّل رادعاً حقيقياً، بالتوازي مع تسريع آلية إبلاغ المحاضر للمواطنين وضمان منع إلغائها عبر التدخلات لدى القضاء أو الضباط.
ثقافة التساهل وغياب المحاسبة الميدانية
من جانبه، يقدم منسّى، قراءة ميدانية لغياب هيبة الدولة وتأثير التدهور المالي على سلوكيات المواطنين والإلتزام بالقانون. ويرى أنّ الأزمة الشاملة وفقدان المواطنين لمدّخراتهم في البنوك وتراجع الخدمات الأساسية، كقروض الإسكان والإهتمام الاجتماعي، خلق حالةً من الشلل العام وشعوراً بغياب الرقابة والمحاسبة الرسمية.
هذا الغياب للردع والدولة دفع بالشارع نحو ثقافة التساهل، حيث يرتكب السائقون المخالفات من دون الإكتفاء بالتعدّي على قانون السير، بل باتّساع الفوضى لعدم الإكتراث للنتائج. ويؤكد منسّى أنّ العقوبة المالية البسيطة أو الغرامة التي تعادل مبالغ زهيدة، كما هو الحال في التعاطي مع مخالفات السلاح أو السير، تفقد غايتها تماماً ولا تشكل أي زاجر، مشدّداً على أنّ المحاسبة التي توجع وتطال المخالف بجدّيّة وحزم هي الوحيدة القادرة على فرض الالتزام وضمان حماية أرواح الناس في ظل هذا الفلتان.
توقّف المعاينة الميكانيكية وشروط السلامة المفقودة
نقطة أساسية يتوقف عندها خبراء السير والحركة المرورية، هو غياب المعاينة الميكانيكية الذي حوّل الشوارع والأوتوسترادات اللبنانية إلى مرائب مفتوحة للخطر والموت بفعل التدهور الفني المتراكم في هيكلية المركبات وشروط السلامة العامة، ويرتبط هذا الواقع بالغياب المتمادي لآليات الفحص والرقابة. وفي هذا الصدد، ينبّه إبراهيم إلى التداعيات الخطيرة الناجمة عن غياب المعاينة الميكانيكية في لبنان لأكثر من أربعة أعوام، إذ ينعكس مباشرةً على الحالة الفنّيّة الشاملة للمركبات. وينجم عن هذا الفراغ وجود أعداد كبيرة جداً من السيارات والشاحنات التي تجوب الطرقات بفرامل غير سليمة وإطارات متهالكة لا تتطابق مع أدنى شروط السلامة الميكانيكية. ويحذّر من أنّ هذا الخلل الفنّي، لا سيما في المركبات الثقيلة والشاحنات المتّصلة بأزمات الحمولات الزائدة، يتضاعف خطره تلقائياً مع الدخول في فصل الشتاء والأمطار، ليتحوّل عامل “المركبة غير القابلة للقيادة الآمنة” إلى أحد العناصر الأساسية المسببة للحوادث الكارثية على الطرقات.
من ناحيته، يرى منسى أنّ الأزمة لا تقتصر على عطل تقني محدد بحد ذاته، بل تتجلّى في الفجوة الواسعة المتمثلة في عدم الإلتزام بمعايير السلامة عمومًا. ويشير منسى إلى أنّ غياب الرقابة والمحاسبة من قبل الدولة جعل الشارع مساحة لتجمّع كافة الفجوات، حيث تتداخل الأعطال مع السرعة وخصوصًا إستعمال الهاتف أثناء القيادة، لتنتج أضراراً جسدية ومادية ضخمة وحوادث يذهب ضحيتها قتلى، في ظل غياب المعايير التي تضمن أن تخرج المركبة إلى الطريق من دون أن تشكّل تهديداً لراكبيها ولمستخدمي الطريق كافة.
أزمة امتحانات القيادة: بين التساهل وغياب التأهيل المسلكي
فيما تتحول رخصة القيادة في العرف المروري والدولي من مجرد وثيقة إدارية إلى شهادة كفاءة تضمن قدرة السائق على القيادة الآمنة من دون تعريض حياته وحياة الآخرين للخطر، يختلف واقع اختبارات القيادة في لبنان وممارسات منحها، واضعين إياها في موقع الاتّهام. وفي هذا السياق، يقدّم منسى، تشخيصاً لمفهوم “دفتر السواقة”، إذ يصفه بأنه “شهادة قانونية” تعادل في خطورتها وأهميتها الشهادات العليا كشهادة الطب، حيث إن ممارسة القيادة بجهل أو من دون كفاءة تؤدي مباشرةً إلى قتل الأبرياء على الطرقات.
ويرى منسى أنّ الأزمة الجوهرية تكمن في كيفية إعطاء رخصة السوق، منتقداً التساهل واقتصار التدريب على ساعات معدودة، ومتسائلاً عن مدى جدية وأهلية من يحصل عليها، مقارنةً بالدول الخارجية التي تخضع الطالب لدورات تمتد لـ8 أو 9 أشهر لضمان الإستحقاق والحدّ من الحوادث القاتلة.
بدوره، يؤكّد إبراهيم أنّ المنظومة برمّتها تعاني من اختلالات بنيوية تتّصل بكيفية تطبيق القانون وآليات الالتزام به. ويشير إلى أنّ غياب التوعية والردع والتأهيل المسلكي الصحيح أسس لبيئة من الفوضى والإنكار، حيث تحوّل غياب القانون والرقابة الصارمة عند القطاعات المختلفة، كشرطة البلديات والأجهزة المعنية، إلى انعكاس طبيعي لمجتمع عاش وتعوَّد على غياب المحاسبة. فالتعامل مع رخصة القيادة وقوانين السير بعقلية مجردة لا تولي أهمية للإلتزام الواعي والمعرفة الميدانية ينعكس في النهاية إرتفاعاً حاداً في أعداد الضحايا والكلفة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية الضخمة التي يتحمّلها البلد والمواطن عند وقوع الكوارث المرورية.
الليلة الأخيرة: قصّة هادي وصوت كلّ أمّ سرقت الطريق قطعة منها
بعيداً من التقنيات والإحصاءات، تتحوّل مأساة فقدان الأبناء على الطرقات في لبنان من مجرّد أرقام رسمية إلى نزيف إنساني مستمرّ. وفي شهادة وجدانية، تروي نائبة رئيس جمعية “كُن هادي” ووالدة الضحية “هادي” لينا جبران، قصتها المأساة التي غيّرت مسار حياتها بعد وفاة وحيدها هادي في 16 نيسان 2006 وهو في سنّ الـ18، قبيل أيام قليلة من حفل تخرّجه. “كانت ليلة عيد الفصح، حيث سهرنا معا. هادي كان بمثابة الإبن والصديق. تلك الليلة سهرنا معا والتقطنا العديد من الصور”. كان هادي يملك استوديو خاصًا أعدّته والدته له في الطابق السفلي من المنزل ليقيم فيه مع أصدقائه، وكان من عادة هادي أن يرسل لها رسالة نصية يخبرها أنه وصل ونام في غرفته حتى تطمئن وتغمض عينيها مستسلمة للنوم. ألّا أنّه في تلك الليلة استبق وصوله وأرسل لها رسالة نصية يبلّغها انّه أصبح في المنزل، فنامت لينا مطمئنّةً من دون أن تدرك ما ينتظرها.
ففي طريق العودة، حيث كان هادي يقود سيارة أحد أصدقائه برفقة صديق آخر ويغنّي بسعادة، وقبل وصوله الى جسر الدورة، تفاجأ بدرّاجة نارية تقطع الأوتوستراد عرضاً، فحاول تجنّبها، لكنّه فقد السيطرة واصطدمت المركبة بالحافة الفاصلة، ممّا أدّى الى وفاته فوراً نتيجة إصابة حادّة في الرأس تسبب له بنزيف داخلي، بينما أصيب صديقه بجروح خطيرة.
صباح اليوم التالي، تلقت لينا الخبر، لكنّها رفضت أن تصدق في البداية وتمسّكت بالرسالة النصية التي تلقّتها منه. عند وصولها إلى المستشفى، ظلّت متمسكةً بالأمل وحدوث أعجوبة، حتى أنها طلبت رؤيته في براد المستشفى وظلت تلمس جسده البارد وتناجيه، غير مستوعبةٍ رحيله المفاجئ.
أمام هذه الفاجعة، تدمّرت لينا جبران ووقفت عاجزةً عن استيعاب الواقع الذي فُرِضَ عليها والذي تصفه بالمعاكس للمعادلة الطبيعية، وهو أن تدفن الأمّ إبنها. هذه الغصّة لم تقف عند حدود الحداد، بل تحوّلت في 11 تشرين الأول 2006 إلى إطلاق جمعية “كُن هادي” برفقة زوجها فادي وأصدقاء هادي، لتكون رسالة توعية لمنع تكرار هذا الموت المجاني، ومحاولة لحماية عائلات أخرى من تجرّع الكأس نفسها، متّخذين من إسم “هادي” رمزاً ودعوةً صريحة للهدوء والتروّي خلف المقود.
صرخة أمّ في أذن كلّ سائق: صورة تخيّلها عند دعسة البنزين
في نداء موجّه للشباب والسائقين الجدد، تشارك لينا جبران رسالةً تؤكد أنها تكررها منذ عشرين عاماً: “كلّما ارتفعت إبرة السرعة في السيارة وبدأ قلبك يخفق، تخيّل مكان هذه الإبرة صورة أمّك، ولتكُن هذه الصورة هي السبب في رفع قدمك عن دواسة البنزين”. وتطالب جبران الشباب أن يفكروا بالأحباء بالذين يتركونهم، مؤكّدةً أنّ أصعب ما قد يواجهه الأهل هو السير في جنازة أحد أبنائهم، وأنّ أسهل قرار يمكن أن يتّخذه الشاب هو القيادة بتروٍّ لتجنيب الأهل القهر والدموع. وفي المقابل، تضع جبران المسؤولية الأولى على الأهل باعتبارهم الشرطة الأساسية على أبنائهم قبل الدولة، مشدّدةً على عدم تسليم السيارة للشباب قبل سن الـ18 كخطوة أولى لتطبيق القانون، وعدم الإستسلام لعدم انضباطهم، بل إجبارهم على استخدام سيارات الأجرة في السهرات، وأن يكون الآباء والأمهات قدوةً صالحة عبر الإلتزام بحزام الأمان ومقاعد الأطفال.
وتنتقد لينا جبران غطاء “القضاء والقدر” الذي يُغلّف به المجتمع اللبناني الحوادث القاتلة، مؤكّدةً أن الدراسات أثبتت أنّ 85 في المئة من أسباب الحوادث تعود للمسؤولية المباشرة للسائق الذي يقرر بنفسه السرعة، أو الشرب، أو استخدام الهاتف، أو القيادة تحت تأثير الإرهاق. وتشير إلى أنّ حل الأزمة يتطلّب تحسين الطرقات، وتطبيق قانون السير بحزم، وتكثيف التوعية، وتجهيز الإسعاف، والفحص الميكانيكي. كما تفتح جبران النار على تقاعس السلطات المعنية، مشيرةً بكتمان وحسرة: “الله لا يدوّق حدا هالكأس، ولو كان المتوفى بحادث سير إبن أحد المسؤولين لَقامت الدنيا وما قعدت، إنّما أولادنا بالنسبة لهم مجرد أرقام”.
وتستطرد بالحديث عن الشلل المؤسساتي، حيث توضح أنّ قانون السير الجديد أسّس لـ “المجلس الوطني للسلامة المرورية” برئاسة رئيس الحكومة، وهو نموذج مستورد من فرنسا أثبت نجاحه هناك، لكنّه في لبنان معطل بسبب تقاعس رئاسة الحكومة. وتلفت إلى أنّه قبل الإنهيار عام 2019 كانت السلامة المرورية موضوعة على السكة الصحيحة، لكنّ الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا جعلتها في قاع أولويات الدولة. وعلى رغم إشادتها ببعض الجهود الفردية لوزير الداخلية، تؤكّد جبران أنّ الوزارة بمفردها لا تكفي، إذ إنّ ملف السلامة المرورية يفرض تكاملاً وتنسيقاً ملزماً بين وزارات الداخلية، والعدل، والصحة، والتربية، والأشغال العامة، ولا يجوز اختزاله فقط في الرقابة الأمنية لقوى الأمن الداخلي.
فلتان طرقات ومنظومة عقابية منهارة
تختصر مأساة السلامة المرورية في لبنان الحقيقة العارية لدولة استقالت من أدوارها الأساسية، وتركت مواطنيها يقارعون الموت اليومي على طرقات يغيب عنها التخطيط، والإنارة، والرقابة، وتطبيق القانون. فالأزمة لم تعد تتصل بخرق فردي للسرعة أو بعطل ميكانيكي مفاجئ، بل بانهيار المنظومة العقابية والوقائية بأسرها، وتحول السلامة العامة إلى بند غائب عن جدول أولويات السلطة السياسية، في مقابل كلفة إنسانية واقتصادية باهظة تسددها العائلات من أرواح أبنائها.
وفي قلب هذا النزيف المتواصل، لا تقف لينا جبران كحالة فردية معزولة أو نائبة لجمعية أهلية فحسب، بل تمثّل صوت كل الأمّهات اللواتي تجرّعن مرارة الفقد المفاجئ على الطرقات، وأصبحت حسرتهنّ اليومية صرخة تحذير حيّة لكلّ بيت لبناني. إنّ تحول حزن كلّ أمّ فقدت ابنها في حادث سير إلى نضال ميداني لا يبتغي سوى حماية شباب الآخرين، يضع الدولة بمختلف وزاراتها المعنية أمام مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية، إذ إنّ الاستمرار في التعاطي مع ضحايا السير كمجرّد إحصائيات دورية هو تواطؤ غير مباشر في استمرار الفاجعة، ولن يستقيم هذا الملف إلّا بقرار سياسي يضع أرواح الناس فوق كل اعتبار.





























