هناك فارق جوهري، بل خطير، بين اعتراض القوى السيادية على أداء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبين اعتراض «حزب الله» على العهد والحكومة والدولة …
ومن غير المقبول سياسيًا أو وطنيًا وضع الاعتراضين في الخانة نفسها، لأن من يفعل ذلك يكون قد ساوى بين من يريد قيام الدولة الفعليّة ومن يريد إبقاء الدولة رهينة السلاح والدويلة …
«حزب الله» لديه مشكلة وجودية مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لأنهما اقتربا، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، من أصل المشكلة :
سلاح الحزب وقرار الحرب والسلم واحتكار الدولة للقرار السيادي والأمني والعسكري …
من خطاب القسم إلى البيان الوزاري، مرورًا بالقرارات الحكومية في ٥ آب ٢٠٢٥، وصولًا إلى قرار ٢ آذار ٢٠٢٦ المتعلق بحظر نشاطه العسكري والأمني، وصولًا إلى المسار الذي فتحه رئيس الجمهورية في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، أصبح واضحًا أن هناك اتجاهًا رسميًا نحو إعادة القرار اللبناني إلى الدولة وإنهاء واقع الدويلة داخل الدولة …
وهنا تحديدًا تكمن مشكلة «حزب الله» …
فالحزب لا يعترض على تفصيل إداري أو على آلية عمل حكومية، ولا يختلف مع الرئيسين حول ملف اقتصادي أو اجتماعي …، مشكلته أعمق بكثير :
هو يدرك أن الدولة، إذا استكملت هذا المسار، ستصل عاجلًا أم آجلًا إلى السلاح، وإلى القرار الأمني والعسكري، وإلى إنهاء الوظيفة التي أقام عليها مشروعه السياسي والعسكري طوال عقود …
ولهذا يريد الحزب إسقاط هذا المسار، وإضعاف من يقوده، وإعادة إنتاج المعادلة القديمة التي كان فيها السلاح أقوى من المؤسسات …
أما الاعتراض السيادي، فشيء آخر تمامًا …، فالاعتراض السيادي لا يريد إسقاط الدولة، بل يريد إنقاذها …، ولا يريد إسقاط الحكومة، بل يريد أن تنجح، ولا يريد إضعاف رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، بل يريد منهما أن ينجحا في المهمة التاريخية التي انتُدبا إليها …
لكن النجاح لا يكون بالشعارات، ولا بالقرارات التي تبقى حبرًا على ورق …، فالقرار الذي لا يُنفّذ يفقد قيمته، والدولة التي تعلن قراراتها ولا تملك القدرة أو الإرادة على تنفيذها تبعث برسالة ضعف إلى الداخل والخارج معًا …
إذا كان قد اتُّخذ قرار واضح يتعلق بالسلاح وبحل التنظيمات غير الشرعية وبحصر القرار الأمني والعسكري بالدولة، فالمطلوب ببساطة هو الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ …، ولا يجوز أن يتحول الخوف من رد فعل «حزب الله» إلى ذريعة لتجميد قرارات الدولة …
والسؤال نفسه يُطرح في ملفات أخرى …، فما الذي يمنع معالجة ملف «القرض الحسن» وفق القانون؟ وما الذي يمنع اتخاذ قرارات حاسمة في الملفات الاقتصادية والمالية؟ ولماذا يبقى ملف الكهرباء، الذي يمس حياة ملايين اللبنانيين يوميًا، أسير المراوحة والحسابات والتأجيل ؟!؟!…
لا يمكن أن يكون الأداء الحكومي في هذه المرحلة الاستثنائية شبيهًا بالأداء في الظروف الطبيعية …، فلبنان ليس في مرحلة عادية.
لبنان خرج من انهيار مالي واقتصادي بدأ عام ٢٠١٩ ولم يتعافَ منه، ويعيش تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، ويواجه أزمة مالية واجتماعية خانقة، وفوق ذلك كله يعيش تحت ضغط سياسي وأمني هائل بسبب استمرار السلاح خارج الدولة …
في مثل هذه الظروف، المطلوب حكومة تعمل بعقلية الطوارئ الوطنية، لا حكومة تكتفي بإدارة اليوميات …
الكهرباء، مثلًا، ليست ملفًا تقنيًا هامشيًا …، إنها قضية وطنية تمس ملايين اللبنانيين، وتؤثر في الصناعة والتجارة والاستثمار والمستشفيات والمنازل وكل دورة الاقتصاد …
فإذا كانت هناك اقتراحات جدية من وزير الطاقة، من إلغاء أو تعديل بعض الرسوم المفروضة على المحروقات إلى اعتماد التعرفة المتحركة ومعالجة مستحقات الدولة، فلماذا لا تُناقش بجدية ولماذا لا تُتخذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة ؟!؟!…
الدولة لا تُدار بمنطق «نحن نقرر وأنتم تصمتون»، والحكومة لا تنجح إذا تعاملت مع القوى التي ساندت قيامها وكأن دعمها أمر مضمون إلى الأبد …
من هنا يأتي الاعتراض السيادي، وهو اعتراض يجب أن يُسمع لا أن يُخوَّن …
القوى السيادية، وفي مقدمها «القوات اللبنانية»، ليست في موقع «حزب الله» …، لا تريد إسقاط الحكومة لمجرد إسقاطها، ولا تريد عرقلة العهد، ولا تبحث عن مكاسب ظرفية …
بالعكس، هي متمسكة بالمسار الذي أعاد للدولة اللبنانية شيئًا من حضورها، وتدعم كل خطوة فعلية تؤدي إلى تثبيت سيادة الدولة وحصر السلاح والقرار بها …
لكن الدعم ليس شيكًا على بياض، والصمت ليس واجبًا …، والوفاء للمشروع الوطني لا يعني التغاضي عن الأخطاء …
بل على العكس، من يحب الدولة ويؤمن بهذا المسار عليه أن يحذّر عندما يرى أن الأداء لا يرتقي إلى حجم المرحلة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة : أنتم بحاجة إلى حلفائكم السياديين أكثر من أي وقت مضى …
فإذا كان «حزب الله» يعتبر أن التخلص من هذا العهد وهذه الحكومة هدف سياسي، فلا معنى لأن تراهن الدولة على رضاه أو على مسايرته …
من يريد إسقاطك لن يصبح حليفًا لأنك قدمت له تنازلات …، ومن يعتبر سلاحه خطًا أحمر لن يرضى عنك لأنك أجلت تنفيذ قرار الدولة …
ومن يرفض تسليم قراره العسكري للدولة لن يصبح شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة لمجرد أنك فتحت معه قنوات تفاوض أو حاولت استرضاءه …
لا تُرضي من يريد رأسك على حساب من يريد نجاحك …، هذه هي المعادلة التي يجب أن تكون واضحة …
رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بحاجة إلى احتضان القوى السيادية، وإلى التعاون معها، وإلى اعتبارها شريكًا كاملًا في القرار الوطني، لا مجرد قوة سياسية يمكن تجاوزها أو التعامل معها كتحصيل حاصل …
وفي مقدم هذه القوى «القوات اللبنانية»، التي دفعت ثمنًا سياسيًا وشعبيًا كبيرًا دفاعًا عن مشروع الدولة والسيادة والاستقلال، والتي لا يمكن اختصار موقفها اليوم بأنه مجرد اعتراض سياسي عابر …
المطلوب إذًا ليس مواجهة بين القوى السيادية والحكومة، بل تصحيح العلاقة بين الطرفين على قاعدة الشراكة والمسؤولية والمصارحة …
فإذا كانت الحكومة تريد النجاح، فعليها أن تستمع إلى الاعتراضات الجدية، وأن تفتح أبوابها أمام شركائها، وأن تتعامل مع الملفات السيادية والاقتصادية والمالية بمنطق الأولويات الوطنية، لا بمنطق إدارة الوقت …
وليس مطلوبًا من القوى السيادية أن تغطي أي تقصير باسم حماية العهد …، فحماية العهد تكون بدفعه إلى النجاح، لا بتبرير أخطائه …
وحماية الحكومة تكون بمساعدتها على اتخاذ القرارات الصحيحة، لا بتحويلها إلى حكومة فوق المساءلة …
أما الأخطر فهو أن يراهن البعض على صبر الدكتور سمير جعجع، وعلى مبدئيته، وعلى وقوفه إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لأن «حزب الله» يقف في مواجهتهما …
هذه المراهنة خاطئة …، فالحكيم يقف مع الدولة، وليس مع الأشخاص …، ويقف مع المشروع السيادي، وليس مع أي حكومة مهما كان اسم رئيسها …
ويقف إلى جانب من يواجه مشروع السلاح الإيراني، لكنه لن يقف متفرجًا إذا تحولت المماطلة أو سوء الإدارة أو الحسابات الضيقة إلى سبب في إضاعة الفرصة التاريخية المتاحة أمام لبنان.
الفرصة اليوم ليست عادية …، إنها فرصة لإعادة بناء الدولة، واستعادة قرارها، وإنهاء ازدواجية السلاح والقرار، وإعادة لبنان إلى موقع الدولة الطبيعية بين الدول …، ومن يضيّع هذه الفرصة يتحمل مسؤوليته كاملة …
لذلك، المطلوب من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يقرآ المشهد جيدًا :
القوى السيادية ليست خصمًا لهما، بل هي السند الطبيعي لمسار الدولة …، والاعتراض السيادي ليس انقلابًا على الحكومة، بل إنذار لها كي تصحح أداءها قبل أن تتراكم الأخطاء …
أما «حزب الله»، فمشكلته مختلفة جذريًا …، فهو يريد بقاء السلاح خارج الدولة، فيما المطلوب هو قيام الدولة …
هو يريد الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم، فيما المطلوب أن يكون هذا القرار بيد المؤسسات الشرعية …
هو يريد العودة إلى لبنان الذي يحكمه ميزان القوة، فيما المطلوب بناء لبنان الذي يحكمه الدستور والقانون …
وبين المشروعين لا توجد منطقة رمادية …، إما دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد، وإما استمرار الأزمة بأشكال مختلفة …
ومن هنا، فإن الرسالة الأخيرة يجب أن تكون واضحة :
لا تساووا بين من يطالب بتنفيذ قرارات الدولة، وبين من يرفض أصلًا أن تكون الدولة صاحبة القرار …
فالاعتراض السيادي قد يكون قاسيًا، وقد يكون مرتفع السقف، وقد يكون مزعجًا للحكومة، لكنه في النهاية اعتراض من داخل مشروع الدولة …
أما اعتراض «حزب الله» فهو اعتراض على الدولة نفسها عندما تقترب من انتزاع القرار من يده.
وهذا فرق لا يجوز، تحت أي ظرف، أن يضيع في الحسابات السياسية أو في لعبة المساواة بين الضحية ومن يهددها …
الدولة تحتاج اليوم إلى الحزم، وإلى الشراكة، وإلى تنفيذ قراراتها …، ومن يملك شجاعة اتخاذ القرار عليه أن يملك شجاعة تنفيذه …، أما إضاعة الوقت، فلن تكون لصالح أحد، وقد تكون على حساب آخر فرصة حقيقية للبنان كي يستعيد دولته وسيادته …























