كان ذلك اليوم فاصلاً بين شرق أوسط ما قبل ٧ تشرين وشرق أوسط ما بعده …
وكما شكّل ١١ أيلول ٢٠٠١ لحظة أعادت الولايات المتحدة من خلالها تعريف مفهوم التهديد والأمن والحرب، شكّل ٧ تشرين لحظة كسرت قواعد لعبة عمرها عقود، وأسقطت عملياً نظرية «الاحتواء» التي قامت عليها سياسات كثيرة تجاه حماس وحزب الله وإيران …
قبل ٧ تشرين، كان المنطق السائد هو إدارة الخطر : احتواء حماس، ردع حزب الله، التعايش مع نفوذ إيران وسطوته على خمس عواصم عربية !!!…، وقبول فكرة أن المنطقة تستطيع أن تعيش إلى جانب منظومة مسلحة عابرة للحدود، ما دامت لا تتجاوز خطوطاً معينة …
بعد ٧ تشرين، تغير كل شيء …
انتقلت إسرائيل من سياسة الاحتواء إلى سياسة تفكيك مصادر التهديد، وانتقلت المواجهة من حرب على جبهة واحدة إلى صراع إقليمي مفتوح امتدت تداعياته من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق، ثم إلى إيران نفسها …
وهنا يجب التوقف عند الحقيقة الأهم التي قد يحاول البعض تجاهلها :
لولا طوفان غزة وحروب الإسناد التي فتحها محور إيران في المنطقة، لما وصل المسار بالضرورة إلى ما وصل إليه اليوم …، فحرب غزة لم تبقَ حرباً في غزة …
في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، دخل حزب الله المواجهة من الجنوب اللبناني تحت عنوان «إسناد غزة» …، فتحولت الحدود اللبنانية–الإسرائيلية إلى جبهة حرب طويلة …، ومع توسع المواجهة، انتقلت إسرائيل تدريجياً من استهداف القدرات العسكرية إلى استهداف البنية القيادية والعسكرية لحزب الله، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصرالله في أيلول ٢٠٢٤ …
وهنا بدأت إحدى أكبر التحولات الاستراتيجية في المنطقة …، فالذراع التي قيل إنها تشكل خط الدفاع الأول عن إيران، وجدت نفسها في قلب المعركة …
ثم لم تعد المواجهة محصورة بأذرع إيران …، في حزيران ٢٠٢٥، انتقلت الحرب إلى مواجهة مباشرة وغير مسبوقة بين إسرائيل وإيران، واستهدفت الضربات الإسرائيلية مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وقدرات عسكرية وقيادات إيرانية، قبل أن تدخل الولايات المتحدة مباشرة في ضرب المنشآت النووية الإيرانية …
وهكذا، وبعيداً عن كل الشعارات التي رُفعت منذ سنوات، أصبح السؤال عملياً :
ماذا بقي من نظرية «وحدة الساحات» عندما انتقلت النيران من الساحات العربية إلى قلب إيران نفسها ؟!؟!…
هنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية …، فالمشروع الذي أراد أن يجعل من غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن ساحات متقدمة للصراع مع إسرائيل، ساهم، وفق هذه القراءة، في فتح الطريق أمام انتقال المواجهة إلى مستوى لم يكن متخيلاً قبل ٧ تشرين : استهداف المركز بدل الاكتفاء بضرب الأطراف …
ولذلك، فإن ٧ تشرين لم يكن حدثاً معزولاً …، إنه كان الشرارة التي أطلقت سلسلة من التطورات المتلاحقة :
غزة أولاً …، ثم جبهة لبنان …
ثم استهداف قيادة حزب الله وبنيته العسكرية …
ثم انهيار جزء أساسي من منظومة النفوذ الإيراني في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد …
ثم المواجهة المباشرة مع إيران وضرب برنامجها النووي ….
ثم انتقال لبنان وإسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، إلى مستوى من المفاوضات الحكومية المباشرة برعاية أميركية، بعدما كانت الحدود اللبنانية–الإسرائيلية تُدار بصورة أساسية عبر الوسطاء والترتيبات الأمنية …، وفي ٢٠٢٦ بدأت واشنطن رعاية مفاوضات مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، وصفت بأنها الأعلى مستوى منذ عام ١٩٩٣ …
وهنا المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح :
ما أراده أصحاب «طوفان الأقصى» أن يكون طوفاناً يغيّر وجه إسرائيل والمنطقة، انتهى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك نفسها، وإلى فتح ملفات كانت طوال عقود من المحرمات …
لم يعد السؤال فقط : ماذا ستفعل إسرائيل؟
بل أصبح السؤال أيضاً :
ماذا سيبقى من منظومة الساحات بعد أن وصلت الحرب إلى مركز القرار في طهران ؟!؟!…
وهذا هو المعنى الحقيقي لجدار برلين …، فجدار برلين لم يسقط في يوم واحد لأن حجراً واحداً أُزيل منه، بل لأنه كان رمزاً لمنظومة كاملة بدأت تفقد قدرتها على الاستمرار …، وكذلك الشرق الأوسط اليوم …
٧ تشرين، كان لحظة انهيار جدار سياسي وأمني وفكري كامل …
جدار قام على فكرة أن الميليشيات تستطيع أن تكون دولاً داخل الدول، وأن السلاح غير الشرعي يمكن أن يتحول إلى «ردع»، وأن العواصم العربية يمكن أن تصبح ساحات نفوذ، وأن القرار الوطني يمكن أن يُجزّأ بين الدولة ومنظومات مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية …
لكن الحرب اختبرت هذه النظرية على أرض الواقع …، وفي لبنان تحديداً، كشفت السنوات الثلاث الماضية سؤالاً لا يمكن الهروب منه :
هل يستطيع لبنان أن يكون دولة كاملة السيادة فيما يوجد إلى جانب جيشه سلاح استراتيجي يملك قرار الحرب والسلم ؟!؟!…
هذا هو السؤال الحقيقي، وليس السؤال عن انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك …، فلبنان لا يحتاج إلى أن يكون ساحة في حرب الآخرين …
ولا يحتاج إلى أن يكون منصة لصواريخ أي محور …
ولا يحتاج إلى أن يدفع اللبنانيون ثمن قرارات تُتخذ خارج مؤسسات الدولة …
فالوقائع أثبتت أن أي حرب تُفتح من الأراضي اللبنانية لا تبقى حرباً «محدودة» متى قرر الطرف الآخر توسيعها …
وهذا تحديداً ما جعل مسار ٢٠٢٦ مختلفاً :
عندما أصبحت الحكومة اللبنانية نفسها طرفاً في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ظهر بوضوح أن الدولة اللبنانية تستطيع، عندما تتقدم إلى الواجهة، أن تستعيد موقعها كصاحبة قرار سياسي وتفاوضي …
ومن هنا، فإن المعركة اللبنانية الحقيقية ليست معركة إسرائيل …، معركة لبنان هي استعادة الدولة …
قد تختلف الشعوب العربية في موقفها من إسرائيل، وقد يختلف اللبنانيون في مقاربتهم للحرب الفلسطينية، وقد تختلف التفسيرات حول مسؤولية ٧ تشرين ونتائجه، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها :
منذ ٧ تشرين لم تعد قواعد الشرق الأوسط كما كانت …، وما كان يُعتبر مستحيلاً أصبح ممكناً …
إيران ضُربت مباشرة …
برنامجها النووي أصبح هدفاً عسكرياً مباشراً …
قيادة حزب الله تعرضت لضربات غير مسبوقة، وقُتل أمينه العام حسن نصرالله في أيلول ٢٠٢٤ …
وسوريا خرجت من المعادلة التي حكمها الأسد لعقود …، والجبهات التي قيل إنها تشكل «محوراً واحداً» تعرضت لاختبارات قاسية …
ثم وصلنا إلى مشهد لم يكن كثيرون يتصورونه قبل سنوات : لبنان وإسرائيل على طاولة تفاوض مباشرة، وبرعاية أميركية، لمناقشة ملفات الحرب والحدود والأمن والانسحاب ونزع السلاح …
لذلك، فإن قراءة ٧ تشرين لا يجب أن تتوقف عند صورته الأولى …، فالتاريخ لا يُقاس فقط بما أراده صانعو الحدث، بل أيضاً بما أنتجه الحدث من نتائج …
وقد تكون أكبر مفارقة في السنوات الثلاث الماضية أن العملية التي أراد أصحابها تغيير الشرق الأوسط بالقوة، فتحت سلسلة من التطورات التي أعادت رسم موازين القوة في المنطقة بصورة لم تكن في حساباتهم …
طوفان الأقصى أراد أن يكون طوفاناً يجرف إسرائيل …، لكن الطوفان نفسه جرف معه كثيراً من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود …
ومن هنا، فإن ٧ تشرين قد يُقرأ مستقبلاً ليس فقط كبداية حرب غزة، بل كبداية مرحلة تاريخية جديدة :
مرحلة تتراجع فيها سلطة المحاور، وتتقدم فيها الدولة …
مرحلة يُعاد فيها تعريف الردع …
مرحلة يصبح فيها السلاح خارج الدولة عبئاً استراتيجياً لا ضمانة أبدية …
ومرحلة يصبح فيها القرار الوطني، لا القرار الإيراني ولا الإسرائيلي ولا الأميركي، هو المعيار الحقيقي لأي مستقبل لبناني …
٧ تشرين كان جدار برلين الشرق الأوسط …
والسؤال الذي يبقى أمام لبنان ليس ماذا حدث لإيران، ولا ماذا حدث لحزب الله، ولا ماذا تريد إسرائيل.
السؤال الذي يهمنا نحن هو :
هل يكون لبنان، بعد كل ما جرى، دولةً تقرر مصيرها بنفسها؟ أم يبقى ساحةً ينتظر أبناؤها دائماً الحرب التالية ؟!؟!…
هذه هي المعركة الحقيقية …، وهذه هي الفرصة التي يجب ألا تضيع مرة جديدة …























