المسيرة- لا تكمن خطورة تحالف حزب الله والحوثيين في الحروب التي يشعلونها والدول التي يستهدفونها خدمةً للمشروع الخميني الإيراني فحسب، بل في الثمن الذي يدفعه اللبنانيون من لقمة عيشهم ومواسمهم الزراعية، وصولًا إلى أرزاق أبنائهم العاملين في دول الخليج. فصواريخ المحور لا تهدّد أمن الخليج وحده، بل قد ترتدّ على بساتين التفاح في لبنان، وتهدّد صادراته وفرص عمل أبنائه. فبينما يسعى حزب الله إلى توسيع النفوذ الإيراني، يدفع المزارع اللبناني ثمن المغامرات السياسية، ويُهدَّد المغترب في رزقه، ويُعاقَب الوطن على حروب لم يخترها.
إنّ الحديث عن إعادة افتتاح مراكز لتدريب الحوثيين في معسكرات حزب الله في الهرمل، بإشراف ضباط من الحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع استهداف الحوثيين الأراضي السعودية بالصواريخ، يثير مخاوف جدّية من تبدّد الأمل في استئناف تصدير المنتجات الزراعية اللبنانية إلى الأسواق الخليجية، وفي مقدّمها التفاح اللبناني.
عام 2021، حظرت السعودية استيراد الفواكه والخضراوات اللبنانية بعد ضبط شحنات مخدّرات مهرّبة، ثم اتّسعت القيود لتشمل المنتجات اللبنانية. وكان المزارع اللبناني من أبرز ضحايا هذه الأزمة، بعدما تضرّرت صادراته وأسواقه نتيجة انهيار الثقة بقدرة الدولة على ضبط التهريب وحماية التجارة الشرعية. وهكذا دفع المزارعون ثمن ممارسات لم يكونوا شركاء فيها، وخسروا أسواقًا حيوية لأرزاقهم.
مع رفع الحظر السعودي في حزيران 2026 واستئناف الصادرات البرية في آب، عاد الأمل إلى المزارعين باستعادة أسواقهم الخليجية. لكنّ هذا الأمل يبقى هشًّا ما دامت السياسات التي تهدّد العلاقات العربية مستمرّة. فالأخبار المتداولة عن تدريب الحوثيين في البقاع، بالتوازي مع الهجمات الحوثية على السعودية، تعيد طرح السؤال المخيف: هل يُسمح مجدّدًا لصراعات حزب الله الإقليمية بأن تضع موسم التفاح اللبناني ومصالح آلاف المزارعين في مهبّ الريح؟
هنا تتجلّى المفارقة الفاضحة: حزب الله يوسّع نفوذ إيران، والمزارع اللبناني يحصد الخسائر.
يتحدّث الحزب عن نصرة الشعوب، فيما يعرّض بسياساته علاقات لبنان العربية وأسواقه وأرزاق أبنائه لمخاطر لا يملك اللبنانيون قرارها. فمن يهدّد أمن الخليج لا يستطيع أن يتجاهل التداعيات المحتملة على آلاف العائلات اللبنانية التي تعيش من التصدير، أو على اللبنانيين العاملين في دوله.
إنّ الولاء للمحور، حين يتقدّم على مصلحة الوطن، لا يحصر الدمار في الجبهات، بل ينقله إلى البساتين والمصانع والأسواق وموائد العائلات. وقد يكون الصاروخ الذي يُطلق على السعودية بعيدًا آلاف الكيلومترات عن بستان تفاح في الشمال أو جبل لبنان، لكنّ ارتداداته الاقتصادية قد تصل إليه عند موسم الحصاد.
على السلطة اللبنانية ألّا تكتفي بخطاب القسم، والبيان الوزاري، وقرارات حصر السلاح التي تبقى حبرًا على ورق، بل أن تنتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لبرامجها والتزاماتها، وتثبت بالأفعال لا بالأقوال أنّ لبنان ليس معسكرًا لإيران، ولا قاعدة خلفية للحوثيين، ولا يجوز أن يبقى شعبه رهينة قرارات حزب مسلّح. فإمّا أن تستعيد الدولة قرارها، وتحمي أمن اللبنانيين ومصالحهم وعلاقاتهم العربية، وإمّا أن يستمرّ الآخرون في خوض حروبهم من أرض لبنان، فيما يدفع اللبنانيون الثمن من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
فما قيمة الشعارات إذا كان الصاروخ يخدم المحور، بينما يصبح التفاح اللبناني ضحيةً للحسابات الإيرانية؟























