المسيرة – صوت انفجار في الشارع، ودخان أسود يحجب النور، وأصوات استغاثة، وأشلاء أطفال ونساء وكبار مبعثرة على طريق مزدحمة بسيارات متفحّمة. وناس يركضون على غير هدى، يبحثون عن حياة في جحيم الموت.
انفجار أيقظ الموت النائم في مستودعات المجد، وأطلق معه سؤالًا: من يدفع ثمن المجد، ومن يملك حق تسميته مجدًا؟
ذنب الضحايا أنهم كانوا في المكان غير المناسب، في الوقت غير المناسب.
إنه نهار مجيد!
مجيد في قاموس من يرى في الموت طريقًا إلى النصر. أمّا في قاموس أمّ تبحث عن طفلها، فلا مجد هناك، بل فراغ لا تملؤه الكلمات، ووجع لا تتّسع له الأرض.
أرى الذين يحملون ضحاياهم إلى مثواهم الأخير، ثم يعودون إلى بيوتهم بانتظار انفجار آخر. يحملون ضحايا جددًا، حتى يأتي دورهم فيُحمَلوا هم أيضًا. كأن اللبنانيين يتناوبون حمل بعضهم بعضًا إلى القبور، وكأن الوطن لم يعد يعرف من أبنائه إلا أسماء الذين فقدهم.
أموات يحملهم أموات، ووطن يمتهن منذ زمن بعيد دفن الموتى.
لكن من يحمل وجع الأحياء؟ من يعيد إلى طفل نجا من الانفجار ثقته بأن الحياة ليست فخًّا، وأن الوطن ليس مكانًا ينتظر فيه الموت فرصته؟
وحين يُسأل المسؤول عن كل هذا، يأتي الجواب بكل ثقة:”لا نخجل!”
ممَّ يجب أن تخجل إذًا؟
من مستودعات الموت التي قد تنفجر في وجوه الأبرياء؟
من أطفال ونساء وشيوخ يدفعون حياتهم ثمنًا لقرارات لم يشاركوا في صنعها؟
أم من وطن يُترك أبناؤه لمصيرهم، ثم يُطلب منهم أن يروا في مأساتهم مجدًا؟
لعلّ الخجل ليس في الاعتراف بالهزيمة، بل في العجز عن رؤية الإنسان في وجه الضحية. وليس العار في الفشل، بل في أن تجعلوا موت الآخرين ثمنًا لعجزكم، ثم تسمّوه بطولة.
أيّ مجد هذا الذي يحتاج إلى القبور كي يثبت وجوده؟ وأيّ انتصار يُعلَن فيما أمّ تبحث بين الركام عن طفلها؟
المجد ليس في امتلاك أدوات الموت، ولا في رفع الشعارات فوق قبور الضحايا. المجد أن نحمي الحياة، ونصون كرامة الإنسان، ونرى في كل وجه حياة لا يحق لنا أن نهدرها.
فالإنسان ليس رقمًا في حصيلة، ولا قربانًا يُقدَّم على مذبح الأهداف. وحين يصبح موته ثمنًا للمجد، يفقد المجد معناه، ويسقط الإنسان من حسابات الذين يتباهون به.
وهنا تبدأ الخطيئة الأعمق: حين لا يعود الإنسان يرى في أخيه الإنسان أخًا، بل عقبة أو أداة أو ثمنًا؛ وحين يعلو صوت الشعار على أنين الضحية، ويصبح الاعتراف بالخطأ أثقل من دمعة إنسان.
يا رب، رُدَّ إلينا إنساننا!
رُدَّ إلينا القلب الذي يرتجف أمام الألم، والضمير الذي لا ينام على وجع الآخرين، والعين التي ترى في الغريب أخًا، وفي الحياة نعمة لا يحق لأحد أن يستبيحها.
فما قيمة أن نربح العالم إذا خسرنا الإنسان؟
وما قيمة أن نرفع أسماءنا إلى السماء فيما ندفن أبناءنا في الأرض؟
وطن يدفن أبناءه ولا يحميهم… أيّ مجد هذا؟
ليس هذا يومًا مجيدًا. إنه يوم آخر يُمتحن فيه ضمير الإنسان، ويُسأل فيه الوطن عمّا فعل بأبنائه.
يا رب، رُدَّ إلينا إنساننا؛ فقد طال بنا الطريق، حتى صرنا ندفن أبناءنا ونسمّي ذلك مجدًا.
وإذا لم تخجل من موت الإنسان، فممَّ يجب أن تخجل؟























