ليس كلّ من رفع شعار الحرية حاملاً لقضية، وليس كلّ من حطّم واجهة متجر ثائراً على السلطة …، فثمة فارق شاسع بين مواطن يمارس حقّه في الاعتراض، ومعتدٍ يتّخذ من الاعتراض ذريعةً للاعتداء على حقوق الآخرين، وبين الاثنين تسقط الأقنعة، وتظهر حقيقة الشعارات التي تُرفع باسم الشعب والعدالة والحرية …
التظاهر حقّ مشروع، والاعتراض على الحكومات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية حقّ لا يجوز مصادرته، ومن حقّ الناس أن ترفض نظاماً، وأن تنتقد سلطة، وأن تطالب بالإصلاح، وأن تنزل إلى الشارع دفاعاً عن مصالحها وكرامتها ومستقبلها …، لكنّ هذا الحقّ، مهما كان مقدّساً، لا يمنح أحداً رخصةً لتخريب وحرق الممتلكات العامة والخاصة، أو تحطيم واجهات المحال التجارية، أو اقتحام المؤسسات، أو سرقة البضائع، أو الاعتداء على القوى الأمنية …
حريّتك في التظاهر لا تعني أنّك تملك حرية الاعتداء على حرية الآخرين …
وهنا تكمن المشكلة التي ينبغي قولها بوضوح، بعيداً عن المزايدات والشعارات الرنّانة : عندما تحطّم واجهة متجر، هل تضرب فعلاً أصحاب القرار ؟!؟!…
عندما تنهب مؤسسة تجارية، هل تنتقم من السلطة ؟!؟!…
وعندما تحرق مبنى أو تدمّر منشأة، هل تكون قد انتصرت للطبقات الفقيرة والمهمّشة ؟!؟!…
بالطبع لا !!!…
أنت، في هذه الحالة، لا تضرب بالضرورة من ترفع صوتك ضدّهم، بل قد تضرب إنساناً أمضى سنوات من عمره في بناء مشروعه، واستدان ليؤمّن رأسماله، ووظّف عمالاً وموظفين، والتزم بدفع رواتبهم، وحاول أن يصمد في وجه الضرائب والأزمات والركود وارتفاع الأكلاف …، أنت تضرب صاحب مؤسسة قد تكون هذه المحلّات مصدر رزقه الوحيد، وتضرب العامل الذي ينتظر آخر الشهر ليؤمّن قوت عائلته، وتضرب الموظف الذي لا يملك من ثروة هذه المؤسسة سوى راتبه، وتضرب ربّ عائلة يخشى أن يستيقظ في اليوم التالي ليجد باب رزقه محطّماً ومستقبله معلّقاً …
فأيّ عدالة هذه التي تُمارَس على حساب الأبرياء ؟!؟!…
وأيّ ثورة تلك التي تجعل العامل يدفع ثمن غضب لا يملك قراراً فيه، وصاحب العمل يتحمّل خسائر لا علاقة له بصنع أسبابها ؟!؟!…
إنّ من يزعم الدفاع عن الفقراء لا يستطيع أن يبدأ دفاعه بتدمير مصادر رزقهم. ومن يرفع راية الطبقة العاملة لا يجوز له أن يحوّل العامل إلى ضحية جديدة لأعماله …، ومن يتحدّث باسم المجتمع لا يحقّ له أن يهدم ما تبقّى من مقوّمات صموده …
فإذا وصل الأمر ببعضهم إلى تدمير المجتمع تحت شعار الدفاع عنه، فالمشكلة لم تعد في الوسيلة فحسب، بل في فهم معنى المجتمع نفسه …
المجتمع ليس مجموعة شعارات، ولا حشداً يتحرّك خلف الغضب، ولا جمهوراً يصفّق لكلّ فعل لمجرّد أنّه موجّه ضدّ خصم سياسي أو اقتصادي …، المجتمع هو شبكة من الحقوق والمصالح والعلاقات والمسؤوليات، هو صاحب المتجر والعامل لديه، هو المستثمر والموظف، هو المواطن الذي يحتجّ والمواطن الذي يريد أن يعمل، وهو الجميع حين يتساوون أمام القانون ولا يتحوّل حقّ فئة إلى سيف مسلّط على رقاب فئة أخرى …
ولا يجوز أن يصبح الانتماء إلى قضية أو جماعة أو طبقة اجتماعية حصانةً من المساءلة …، فلا الفقر يبرّر السرقة، ولا الغضب يبرّر التخريب، ولا الاعتراض على الرأسمالية يبرّر الاعتداء على أملاك الناس، ولا الادّعاء بالدفاع عن جماعة يمنح أحداً حقّ تدمير مؤسساتها ومصالحها …
يمكنك أن تعارض الرأسمالية، وأن تنتقد توزيع الثروة، وأن تطالب بنظام اقتصادي أكثر عدالة، وأن تدافع عن حقوق العمال، وأن تواجه الفساد والاستغلال بكلّ الوسائل السلمية والقانونية المتاحة …، لكنّك لا تستطيع أن تجعل من هذه المطالب غطاءً لأفعال تنقلب على أصحابها، وتحوّل المطالب الاجتماعية إلى فوضى يدفع ثمنها من لا يملكون أصلاً ترف تحمّل المزيد من الخسائر …
والمفارقة الأكثر إيلاماً أنّ بعض من يبرّرون تدمير المؤسسات التجارية يتحدّثون عن حقوق العمال، فيما أنّ العامل الذي يعمل في تلك المؤسسات هو أوّل من قد يخسر وظيفته عندما يُدمَّر مكان عمله أو يُجبر صاحبه على الإقفال …
فهل فكّر هؤلاء في مصير الموظفين الذين قد يُصرفون من أعمالهم؟
وهل سألوا عن العائلات التي تعيش من تلك الرواتب؟
أم أنّ المهمّ هو تسجيل موقف صاخب، ولو كان الثمن لقمة عيش الآخرين؟
ثمّ إنّ الاعتداء على عناصر القوى الأمنية، ومحاولة قتلهم، ليستا تفصيلاً يمكن تجاوزه تحت عنوان المواجهة مع السلطة …، هؤلاء أيضاً بشر، ولهم عائلات وأطفال، وهم، مثل سائر المواطنين، ينتمون إلى المجتمع الذي يُفترض أن تحميه القوانين …، وكثيرون منهم ينتمون إلى عائلات عاملة، ويعيشون من رواتبهم، ويواجهون هم أيضاً أعباء الحياة ومخاطر المهنة …
إنّ نقد أداء القوى الأمنية مشروع، ومحاسبة من يتجاوز القانون واجبة، والتحقيق في أيّ استخدام غير مشروع للقوة ضرورة لا مساومة عليها …، لكنّ الاعتداء على العناصر ومحاولة قتلهم لا يصبحان مشروعين لمجرّد أنّ المعتدين يرفعون شعارات سياسية أو اجتماعية …، فحقوق الإنسان لا تتجزّأ، والكرامة الإنسانية لا تتبدّل بحسب موقع صاحبها من المشهد …
إذا كنّا نطالب بدولة القانون، فلا يمكننا أن نطالب بها نهاراً ونحطّمها ليلاً، أو أن نتمسّك بحقوقنا حين نكون في موقع المطالِب، ثمّ ننكرها على الآخرين حين نملك القدرة على الاعتداء عليهم …
والأخطر من التخريب نفسه هو محاولة تطبيعه، وتقديمه على أنّه فعل بطولي، أو تصوير كلّ من يرفضه وكأنّه يدافع عن السلطة أو يقف ضدّ مطالب الناس …، هذه مغالطة خطيرة، إذ لا يتوجّب على الإنسان أن يؤيّد الحكومة كي يرفض تكسير المحال التجارية، ولا أن يكون رأسمالياً كي يدافع عن حقّ صاحب متجر في حماية ممتلكاته، ولا أن يوافق على النظام القائم كي يرفض الاعتداء على رجال الأمن …
يمكن للمرء أن يكون معترضاً على الحكومة، وغاضباً من السياسات الاقتصادية، ورافضاً للظلم والفساد، وفي الوقت نفسه يرفض التخريب والسرقة والعنف …، بل إنّ هذا الموقف هو الذي يميّز بين احتجاج يريد التغيير، وفوضى قد تنتهي إلى تدمير ما يسعى الناس إلى إصلاحه …
إنّ الحضارة، مهما بلغت عيوبها وتناقضاتها، تقوم على مبادئ أساسية لا يجوز التفريط بها : حرية التعبير، وحقّ الاختلاف، وحرية الاعتقاد، والتعايش بين الأديان والثقافات والأعراق، واحترام الملكية الخاصة، والخضوع لقانون يحمي الجميع …، وهذه المبادئ لم تأتِ لتمنح فريقاً حقّ إلغاء فريق آخر، بل لتتيح للناس أن يعيشوا معاً على الرغم من اختلافاتهم …
وليس معنى الدفاع عن هذه المبادئ أنّ الأنظمة القائمة مثالية، أو أنّ المجتمعات الغربية خالية من الظلم أو التمييز أو التفاوت الاقتصادي …، لا يوجد نظام بلا عيوب، ولا مجتمع بلا تناقضات، ولا سلطة ينبغي إعفاؤها من النقد …، لكنّ إصلاح العيوب لا يكون بإسقاط القواعد التي تحمي الناس من بعضهم البعض، ولا باستبدال ظلم محتمل بفوضى تجعل الجميع عرضةً للاعتداء …
فالحرية التي لا تعترف بحقّ الآخر تتحوّل إلى استبداد، والاحتجاج الذي لا يحترم حدود حقوق الآخرين يتحوّل إلى اعتداء، والعدالة التي تُطلب عبر الظلم تفقد معناها قبل أن تبلغ غايتها …
ومن المؤسف أن نرى أشخاصاً يصفّقون لتدمير وحرق مؤسسات تجارية أو تخريب مبانٍ أو نهب متاجر، ثمّ يتعاملون مع هذه الأفعال وكأنّها إنجازات تستحقّ الاحتفاء …، إنّ التصفيق للعنف لا يجعل العنف نضالاً، وتبرير السرقة لا يجعلها عدالة اجتماعية، وتجاهل الاعتداءات لا يحوّل مرتكبيها إلى أصحاب قضية …
بل إنّ التساهل مع هذه الممارسات قد يفتح الباب أمام نتائج لا يريدها أحد : انهيار الثقة بين المواطنين، وتراجع الاستثمار، وإقفال المؤسسات، وفقدان فرص العمل، واتساع دائرة الخوف، ثمّ مطالبة الناس بالدولة كي تعيد إليهم الأمن والاستقرار اللذين ساهمت الفوضى في تقويضهما …
وهنا ينبغي أن نسأل : من المستفيد فعلاً عندما تتحوّل الشوارع إلى ساحات تكسير، والمؤسسات إلى أهداف، والاختلافات السياسية إلى مبرّر للعنف؟
هل يستفيد الفقير الذي يخسر عمله؟
أم الشاب الذي يفقد فرصته في التوظيف؟
أم التاجر الذي تتبخّر مدّخراته؟
أم المواطن الذي بات يخشى على متجره وبيته وعائلته؟
إنّ الغضب، مهما كانت أسبابه مشروعة، لا يعفي صاحبه من المسؤولية …، بل إنّ المسؤولية تصبح أكبر حين يدّعي المرء أنّه يتحرّك باسم الآخرين. فمن يرفع شعار الشعب عليه أن يحترم مصالح الشعب، ومن يدّعي الدفاع عن المجتمع عليه أن يحمي تماسكه، ومن يتحدّث عن الحرية عليه أن يقبل بأنّ هذه الحرية تشمل أيضاً حقّ من يختلف معه في الرأي، وحقّ من يرفض المشاركة في احتجاجه، وحقّ من يريد أن يفتح متجره ويعمل ويعيش بسلام …
ولنكن واضحين : ليس المطلوب إسكات المتظاهرين، ولا تجريم الاعتراض، ولا تحويل كلّ تحرّك شعبي إلى تهمة …، المطلوب هو الفصل بين الاحتجاج المشروع والجريمة، وبين المطالبة بالحقوق والاعتداء على حقوق الغير، وبين مواجهة السلطة ومحاولة فرض الإرادة بالقوة على المجتمع …
فالدولة العادلة هي التي تحمي حقّ التظاهر، وتضمن سلامة المتظاهرين، وتحاسب أيّ تجاوز من جانب أجهزتها، وفي الوقت نفسه تحمي الممتلكات والأرواح، وتمنع الاعتداء على المؤسسات والأفراد، وتطبّق القانون على الجميع من دون انتقائية أو محاباة …، أمّا الدولة التي تتخلّى عن هذه المسؤولية، أو تتعامل مع العنف بمعايير مزدوجة، فإنّها تساهم في إضعاف ثقة الناس بها وبالقانون معاً …
وفي المقابل، لا يستطيع أيّ فريق أن يطالب الدولة بالحماية عندما يكون هو الضحية، ثمّ يرفض سلطتها حين تطبّق القانون على أنصاره أو على من يتصرّفون باسمه …، القانون ليس أداةً نستخدمها ضدّ خصومنا ونعطّلها لمصلحتنا، بل هو الضمانة التي يحتاج إليها الجميع، ولا سيّما الأضعف بينهم …
قد يأتي يوم يفقد فيه الذين يبرّرون العنف بعض الحريات التي اعتادوا ممارستها، فيدركون متأخّرين أنّ حرية التعبير وحقّ الاختلاف والتعايش ليست أموراً مضمونة إلى الأبد، وأنّ تدمير المؤسسات التي تحميها قد يرتدّ على المجتمع بأسره …، لكنّنا لا نحتاج إلى انتظار ذلك اليوم كي نفهم الدرس، فحماية الحرية تبدأ من احترام حدودها، وحماية المجتمع تبدأ من رفض تحويل الخلاف إلى عداء، وحماية الحقوق تبدأ من الاعتراف بأنّ حقوق الآخرين ليست أقلّ قيمة من حقوقنا …
الخلاصة واضحة ولا تحتاج إلى مواربة : تظاهر كما تشاء، ارفع صوتك، انتقد الحكومة، طالب بالإصلاح، واجه الفساد، ودافع عن حقوقك بكلّ قوة …، لكن لا تكسر زجاج متجر لا ذنب له، ولا تنهب تعب إنسان، ولا تحرق مؤسسة يعيش منها عشرات الموظفين، ولا تعتدِ على رجل أمن، ولا تجعل من غضبك حكماً بالإعدام على أرزاق الآخرين …
فالحرية ليست فوضى، والثورة ليست سرقة، والعدالة ليست انتقاماً، والدفاع عن المجتمع لا يكون بتدميره …
من حقّك أن تعترض، وليس من حقّك أن تعتدي …، ومن حقّك أن تطالب بالتغيير، وليس من حقّك أن تحطّم حياة الآخرين باسم هذا التغيير …، أمّا من يخلط بين النضال والتخريب، وبين الحرية والاعتداء، وبين الدفاع عن الناس وتدمير مصالحهم، فعليه أن يعيد النظر في معنى القضية التي يزعم الدفاع عنها…، لأنّ القضية التي تحتاج إلى تحطيم حقوق الأبرياء كي تثبت وجودها، تكون قد بدأت بخسارة جوهرها الأخلاقي قبل أن تحقّق أيّ انتصار …























