وحدها أسماء السجانين تتغير في هذا الشرق

المسيرة- من سجون العثمانيين إلى معتقلات النظام السوري، تتكرّر المأساة نفسها: إنسان يدفع ثمن هوية لم يخترها، وصراعات لم يصنعها، وسلطة لا تكترث لحقيقته.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حين قرأت رواية ربيع جابر «دروز بلغراد»، لم أشعر أنني أقرأ حكاية من القرن التاسع عشر، بل وجدت نفسي أعود أربعة عقود إلى الوراء، إلى تجربة شخصية عشتها في بداية عام 1986، حين كنت طالبًا في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية في طرابلس.

يومها، أوقفني حاجز “البحصاص- طرابلس” السوري، لا بسبب جريمة ارتكبتها أو فعل اشتُبه في قيامي به، بل لأنني كنت أُطلق لحيتي. قرّر أحد الجنود، وفق منطقه العبثي، أنني أنتمي إلى حركة «التوحيد الإسلامي»، فأمر باعتقالي من دون أن يسألني عن اسمي أو هويتي. اقتادوني بطريقة وحشية حطّمت أسناني وأفقدتني وعيي، لأجد نفسي في سجن «الأميركان»، حيث كان الرعب يبدأ قبل التحقيق، مع نتف اللحى والتعذيب بالبلانكو والكرسي الكهربائي.

في تلك الساعات، لم يكن السؤال الأساسي ماذا فعلت، بل كيف ستنجو من سلطة قرّرت مسبقًا من تكون. وإذا بقي لديك ما يكفي من الوعي لتتذكّر اسمك، فقد تتمكّن من التمسّك بهويتك الحقيقية، كما حدث معي. أمّا إذا ابتلعتك متاهة آلة الاعتقال، فقد تنتقل من «الأميركان» إلى «عنجر»، ثم إلى «المزة» أو «تدمر»، لتصبح واحدًا من آلاف اللبنانيين الذين ابتلعهم النسيان.

هنا تحديدًا التقيتُ بعد 100 سنة بحنّا يعقوب، بطل رواية «دروز بلغراد».

فحنّا، المسيحي اللبناني البسيط، يُرحَّل إلى سجون بلغراد بعدما يُخلط بينه وبين درزي شارك في مجازر عام 1860. أمّا الرجل الحقيقي، فينجو بفضل النفوذ والرشوة، في ظل سلطة عثمانية لا تقيم وزنًا للعدالة. وهكذا، يُعاقَب بريء على جريمة لم يرتكبها، ويدفع ثمن هوية أُلصقت به وصراع لم يكن طرفًا فيه.

لم أُرحَّل إلى بلغراد، ولم تكن تجربتي مطابقة لمحنة حنّا، لكنني عرفت المعنى ذاته: أن تصبح ضحية تصنيف اعتباطي، وأن تُختزل حياتك في حكم يصدره شخص يملك سلطة اعتقالك، من دون أن يملك دليلًا على ذنبك. لقد نجوت من تلك التجربة، لكنني لم أستطع أن أنسى كيف يمكن للحظة واحدة أن تنتزع الإنسان من حياته، وتضعه في مواجهة منظومة شيطانية لا تقيم أي وزن للانسانية.

وإذا كان حنّا قد دفع ثمن خطأ في الهوية في زمن العثمانيين، فإن آلاف اللبنانيين دفعوا أثمانًا مشابهة في زمن النظام السوري، حين تحوّلت الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري إلى قصص مرعبة عاشتها عائلات لبنانية كثيرة. تبدّلت الأزمنة والسجون، لكن المأساة بقيت واحدة: سلطة تقرّر، وإنسان يدفع الثمن.

وليست هذه المقارنة مجرد استعادة لذكريات مؤلمة، بل مدخل لفهم أحداث تاريخية لبنانية هيمن فيها شبح التدخّل الخارجي، مستغلًّا انقسامات الداخل وصراعاته. فمن زمن السلطنة العثمانية إلى مرحلة الاحتلال السوري، تكرّر استخدام الخوف والانقسام لتثبيت النفوذ، فيما دفع اللبنانيون أثمان صراعات لم يختاروا خوضها، ولم يمتلكوا قرار إنهائها.

والأخطر أن المظالم لا تنتهي بانتهاء الحروب؛ فهي تبقى في الذاكرة، وتتحوّل إلى أحقاد متوارثة من جيل إلى جيل، وذرائع لمظالم جديدة. وبدلًا من أن يتعلّم اللبنانيون من مآسيهم بناء دولة تحمي الجميع، يستحضر بعضهم الماضي لتبرير الخوف والتسلّح والانغلاق، وكأن معاناة الأمس تمنحهم الحق في إعادة تدوير الحقد وتغذيته لصناعة ضحايا جدد في المستقبل.

لكن جوهر قصة «دروز بلغراد» ليس إدانة طائفة أو تبرئة أخرى، بل كشف الثمن الإنساني للصراعات حين تتراجع الحقيقة أمام مصالح السلطة، ويصبح الانتماء بديلًا عن العدالة. فحنّا يعقوب ليس مجرد شخصية روائية، بل صورة لكل إنسان يُزجّ به في صراع لم يختره، أو يُترك لمصيره لأن لا قوة سياسية تقف خلفه.

متى يدرك اللبنانيون أن حماية الطائفة لا تكون بإبقاء أبنائها أسرى الخوف، وأن كرامة جماعة لا تُصان على حساب كرامة جماعة أخرى؟ ومتى يفهمون أن الضحية لا تفقد حقها في الإنصاف بسبب هويتها، وأن الجريمة لا تصبح مشروعة لأن مرتكبها ينتمي إلى جماعتنا؟

حين قرأت «دروز بلغراد»، أدركت أن المسافة بين حنّا يعقوب وتجربتي لم تكن قرنًا من الزمن، بل تاريخًا متوارثًا من الظلم، عجز عن حماية الإنسان من تعسّف السلطة. وما أخشاه أن تتكرّر المأساة، فيجد لبنانيون آخرون أنفسهم ضحايا الأخطاء والصراعات ذاتها، بأسماء وسجون مختلفة.

فكم من حنّا يعقوب يجب أن يسقط، وكم من إنسان يجب أن يُسجن أو يُهجَّر أو يُنسى، قبل أن يدرك اللبنانيون أن الوطن الذي لا يحمي الإنسان، أيًّا تكن هويته، لا يحمي أحدًا؟

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?