قد ينجح الحزب في استقطاب الشابات والشباب إلى صفوفه خلال مرحلة الدراسة الجامعية، لكن أين يُستثمر هذا الإستقطاب بعد مرحلة التخرّج؟ الأولويات تتبدل بطبيعة الحال عدا عن عامل هجرة الطلاب والخرّيجين، فهل يبقى الإنتماء قادرًا على مواكبة التحوّلات، أم تنتهي العلاقة عند حدود التجربة الطالبية؟
حزب القوات اللبنانية قرّر وضع الجواب على سكة التطبيق وتحويله الى حاجة حزبية واضحة، من خلال تفعيل جهاز الشباب والخرّيجين، ويقينًا منه أن العلاقة بالشباب لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الجامعة، بل أن تواكب انتقالهم إلى الحياة المهنية والاجتماعية والسياسية، وتتيح لهم المجال للمشاركة من مواقع تنسجم مع إختصاصاتهم وخبراتهم. فكيف يعمل الجهاز على إعادة خط الوصل مع الخرّيجين، وما هي أبرز التحديات التي تواجهه، وكيف يتم توظيف واستثمار طاقات الشباب في الجامعات والمهن والإغتراب؟ أسئلة يجيب عنها رئيس الجهاز مارك سعد، عارضًا آلية العمل والأهداف والتحديات في تجربة لا تزال في طور البناء.


ويوضح سعد أن النظام الداخلي للحزب، الذي أُقرّ عام 2012، يتضمن ما يُعرف بـ”جهاز الأنشطة الشبابية”، إلا أن هذا الملف لم يشهد تفعيلًا فعليًا على مدى الأعوام. ومع إعادة البحث في النظام الداخلي، ولا سيما بعد انتخاب الهيئة التنفيذية، تبيّن أن هناك فراغًا في ملف الأنشطة الشبابية، وكان يُفترض أن تُعمّم هذه الأنشطة على الجيل الشاب الذي يتخرّج من الجامعات ولا يلتحق مباشرة بصفوف القوات. ويشير إلى أن الحزب عرف سابقًا تجربة “مكتب الشباب”، لكنها بقيت محدودة ولم تستمر، ما دفع إلى إعادة النظر في طريقة مقاربة هذا الملف. من هنا، جاء اعتماد تسمية “جهاز الشباب والخرّيجين”، لأن التسمية السابقة لا تعبّر بصورة دقيقة عن طبيعة عمل الجهاز، فيما الخرّيجون يحتاجون إلى إطار واضح يُعنى بهم وبانتقالهم من المرحلة الجامعية إلى الحياة المهنية والحزبية.
تتمثل المهمة الأساسية للجهاز في إعادة التواصل مع كل من تخرّج من الجامعة أو من\ أنهى دراسته، وملء الفراغ الذي يفصل بين التخرج والمسار التنظيمي الحزبي. ولا يحصر الجهاز المشاركة بالإنتساب الحزبي المباشر، بل يعتمد التدرّج، فإذا كان الشاب راغبًا في الإنتساب، نعمل على تجديد انتسابه، وإذا لم يكن مستعدًا لذلك، لأسباب شخصية أو لظروف لم تكتمل بعد، يمكنه المساهمة مع الحزب في ملف أو نشاط أو مجال محدد. ويشدّد سعد على أن الجهاز ليس إطارًا لجمع الخرّيجين داخله، بل أداة إدارية تهدف إلى إعادة وصلهم بالوحدات الحزبية المختلفة ودمجهم في العمل الحزبي، كلٌّ وفق موقعه واستعداده.
يشكّل التعاون مع مصلحة الطلاب نقطة أساسية في عمل الجهاز، إذ يتولّى كلٌّ منهما مرحلة مختلفة من المسار الحزبي للشباب. فالطالب ينتقل فور تخرّجه، من نطاق مصلحة الطلاب إلى نطاق جهاز الشباب والخرّيجين، ما استدعى وضع بروتوكول تعاون يضمن إنتقالًا سلسًا ومنظّمًا بين المرحلتين، وتحويل الجهود الفردية إلى عمل مؤسساتي. ويشيد في هذا السياق بتعاون رئيس مصلحة الطلاب السابق عبدو عماد والرئيس الحالي أنطونيو الرياشي، مما أتاح وضع آلية واضحة ومستدامة للتنسيق، ولا سيما في جمع بيانات الخرّيجين.
وتبرز أهمية هذه الآلية في معالجة أحد أبرز التحديات التي واجهت الجهاز في بداياته، وهو صعوبة الوصول إلى الخرّيجين القدامى، إذ لم تكن بياناتهم محدّثة بصورة منتظمة، ما استدعى إعادة بناء قاعدة التواصل معهم من الصفر.


على أن تحديات التواصل لا تقتصر على اختلاف الأجيال والمسارات المهنية، بل تمتد إلى الإغتراب، حيث ينتقل عدد من الخرّيجين للدراسة أو العمل في الخارج، ما يفرض مقاربة مختلفة للحفاظ على صلتهم بالحزب وتعزيز مشاركتهم. ويرى سعد أن القوات اللبنانية تمتلك شبكة إنتشار واسعة في العالم يمكن البناء عليها، مشيرًا إلى الدور المتكامل القائم مع مكاتب الشباب في دول الإنتشار. وهنا, لا بد من التنويه بالتعاون المثمر والجهود التي يبذلها الأمين المساعد لشؤون الانتشار, عماد واكيم, في تعزيز التواصل مع الرفاق في الخارج وتفعيل مشاركتهم في الحياة الحزبية. لكن التعامل مع الجيل الذي ولد في الخارج يختلف عن التعامل مع اللبناني الذي غادر لبنان حديثًا. ويشير إلى أن بعض هؤلاء الشابات والشباب الذين وُلدوا في بلدان الإنتشار، قد تكون معرفتهم محدودة باللغة العربية، ما يجعل المهمة مرتبطة بإعادة بناء صلتهم بالقضية اللبنانية وجذورهم وانتمائهم إلى بلدهم الأم. إنطلاقاً من ذلك، بدأنا بوضع النواة لهذا العمل، ونعمل على إعادة بناء الأسس المتعلقة بالقضية اللبنانية، لكي يتعرف هؤلاء الشباب الى جذورهم وانتماءهم وأهمية الإنتماء الى الوطن الأم والأرض.
في سياق آخر، لا يريد الجهاز أن تبقى علاقة الخرّيجين بالحزب محصورة في النشاط السياسي المباشر. لذلك، يولي أهمية للعمل المهني والنقابي، بالتعاون مع المصالح الحزبية المعنية. ويشير سعد إلى اللقاءات التي تُعقد مع خرّيجين من اختصاصات مختلفة، من مهندسين وأطباء ومحامين وغيرهم، بهدف تشجيعهم على الإنخراط في نقاباتهم والمساهمة في تطوير المهنة وتحسين شروطها. ويؤكد أن الجهاز لا يحل محل المصالح الحزبية أو النقابات، بل يعمل معها، لأن لكل نقابة ومصلحة إستقلاليتها ودورها. والهدف هو أن ينقل الخرّيج التجربة التي خاضها في الحياة الطالبية إلى المجال المهني، فيكون فاعلًا في نقابته وجمعيته ومجتمعه.


وفي هذا السياق، يشدّد سعد على ضرورة الفصل بين الإنتماء الحزبي والنجاح المهني بوصفهما مسارين متكاملين لا متعارضين، قائلًا، نريد أن نثبت أن الشاب الحزبي هو شاب ناجح مهنيًا، وليس العكس، وأن الإنتماء الحزبي يمكن أن يطوّر شخصية الإنسان وقدراته، بما ينعكس أيضًا على مساره المهني. ويرى أن أبرز التحديات تتمثل في الصورة السلبية التي تكوّنت لدى جزء من الشباب تجاه الأحزاب. من هنا تأتي دعوته إلى الشباب للإنخراط في العمل الحزبي وعدم اعتبار ضيق الوقت أو الإقامة خارج لبنان عائقًا أمام المشاركة.
اليوم وبعد نحو سنة ونصف على انطلاق الجهاز، كيف ينظر سعد إلى التجربة التي لا تزال في طور التأسيس؟ يجيب: “أعتبر نفسي محظوظًا لأن القيادة اختارتني لخوض هذه التجربة، ولأنني خضتها من الصفر”. وأكد أنها من أفضل التجارب، ويأمل أن يصل الجهاز إلى مرحلة يصبح فيها مؤسسة ثابتة وقادرة على الإستمرار، ويكون دورها أساسيًا وفاعلًا داخل الحزب، مختصرًا الهدف ببناء إطار قادر على استيعاب طاقات الشباب ومنحهم أدوارًا تتيح لهم المشاركة الفاعلة، كلٌّ وفق قدراته وظروفه.























