أيّ عالمٍ جديد نتطلع إليه؟ فلنتبن أساليب اللاعنف والشفافية والمساءلة. فلنتحرك. فلنناقش. فلنقرر. “ريستارت” بادرت تحت عنوان “لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب” مركزة في ورقة أعلنتها على “الإرتباط البنيوي الوثيق بين الفساد والتعذيب” مؤكدة “أن مواجهة هاتين الظاهرتين شرط أساسي لبناء دولة يحكمها القانون”.
نعم، الفساد يخلف بيئة إفلات من العقاب وبغذي ممارسات التعذيب الذي يستخدم كأداة للسيطرة والتخويف وإخفاء الأدلة وحماية المنظومات الفاسدة من المساءلة، وهذا يدمر ثقة الجمهور- كما حالنا- بالمؤسسات ويقوّض أسس العدالة والكرامة الإنسانية”.
عناوين كبيرة. عناوين ملحة. عولجت في ورقة سياسية أطلقتها “ريستارت”- وهي منظمة رائدة تعنى بدعم الناجين من التعذيب- الأسبوع الماضي. المديرة التنفيذية لمركز “ريستارت” سوزان جبور تحدثت عن “الحالة غير المريحة التي نواجهها” فقالت “التعذيب والفساد ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل يعززان بعضهما البعض ويقوضان أسس العدالة وحقوق الإنسان. إنهما وجهان لعملة واحدة يجب كسرها. فورقتنا، الورقة التي نعلنها اليوم تبرز مظاهر هذا الترابط في السجون المكتظة والتحقيقات المتوقفة، وذلك في المؤسسات المغلقة مثل المستشفيات النفسية ومؤسسات الإعاقة ودور رعاية الأيتام والمسنين، التي تعاني من نقص في الموارد البشرية المتخصصة، ما يفتح الباب لممارسات مهينة وانتهاكات ممنهجة” أضافت “تتضمن الورقة خارطة طريق للحكومة وهيئات الرقابة والمجتمع المدني لتعطيل دورة الفساد والتعذيب وبناء أنظمة قائمة على الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان. كما تشدد على منح هيئات الرقابة الاستقلالية والموارد اللازمة للتحقيق في الانتهاكات دون خوف، وتفكيك شبكات الفساد التي تحمي الجناة” مؤكدة “أن الفساد والتعذيب هما الكفاح المشترك في سبيل وقف الواقع الدراماتيكي الذي يهدد المجتمع اللبناني بأسره” داعية “الحكومة والهيئات المعنية والمجتمع المدني إلى التكاتف لكسر هذه الحلقة المفرغة وجعل كرامة الإنسان غير قابلة للتفاوض”.


كل العناوين بحثت في مؤتمر شاركت فيه وزارة العدل عبر القاضي رجا أبي نادر وممثلين عن الأجهزة الأمنية ومحامين وجمعيات حقوقية.
وأكد القاضي أبي نادر على “أهمية انتقال القضاء من ثقافة الاعتراف سيد الأدلة إلى ثقافة الإثبات والأدلة الموثقة لضمان محاسبة جدية على جرائم التعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوة”.
واختتمت الندوة بمجموعة توصيات دعت إلى “استبدال ثقافة السرية بالشفافية، وترسيخ الكرامة الإنسانية كمبدأ توجيهي، وضمان أن تكون أماكن الاحتجاز مراكز لإعادة التأهيل وليس للتعذيب والابتزاز، والعمل على إصلاحات أساسية لمؤسسات العدالة”.
تلا ذلك، مؤتمر نظمته “ريستارت” بالتعاون مع مشروع “بناء” في منظمة الشفافية الدولية- لبنان (لا فساد)، تخللته جلسة نقاشية بعنوان “نحو استجابة إنسانية أكثر شفافية وشمولية في لبنان”. ناقشت الجلسة خلاصة التقييم للاستجابة خلال فترة الحرب في لبنان ما بين 8 تشرين الأول 2023 و27 تشرين الثاني 2024، وأبرز الدروس المستفادة والتحديات البنيوية، كما عرضت نتائج تقييم واسع شمل أكثر من 400 نازح داخلي، إلى جانب مقابلات مع فاعلين محليين وجهات حكومية ودولية.
وزير البيئة السابق ناصر ياسين حضر داعياً الى “إنشاء هيئة وطنية لإدارة الكوارث، وفتح موازنة طوارئ مسبقة، ومنح المحافظين دوراً محورياً في إدارة الأزمات، مؤكداً “أن الجاهزية لم تعد خياراً بل ضرورة”.
وتحدث مدير مشروع “بناء” روني زغيب مؤكداً على “إلتزام منظمة الشفافية الدولية- لبنان بدعم الجمعيات والعمل على الإصلاحات معلناً عن إطلاق منصة للتواصل حول الأنشطة”.
سوزان جبور من جهتها تحدثت عن هذه الشراكة معتبرة “أنها تجسد مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة الشفافية الدولية روح التضامن والمسؤولية المشتركة. فالأزمات الممتدة بين عامي 2023 و2024 لم تكن مجرد تحديات تشغيلية، بل اختبارات لقيمنا ومبادئنا. إنّ الإنسانية والشفافية والمساءلة وعدم التمييز هي شريان الثقة بين المؤسسات والأشخاص الذين نخدمهم”.


خلصت النقاشات إلى مجموعة من التوصيات أبرزها:
• إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الأزمات والكوارث.
• اعتماد موازنة طوارئ استباقية ومستودعات وطنية للمواد الإغاثية والصحية.
• تطوير آليات الشفافية والمساءلة عبر أنظمة شكاوى مستقلة، والتتبع الرقمي للمساعدات، والتقارير الدورية العلنية.
• تعزيز التنسيق المؤسسي والمجتمعي بين الوزارات والبلديات والجمعيات.
• إقرار قانون موحّد للاستجابة للكوارث يعزز الجهوزية والعدالة في توزيع المساعدات من دون تمييز.























