قضية الدولة أولاً والباقي تفاصيل

في تاريخ لبنان، تتكرر المأساة نفسها بأسماء مختلفة. ما بين نكسة 1967 واجتياح 1982، وُلدت فكرة «الكفاح المسلّح» كحلمٍ عربيّ بتحرير فلسطين وردّ الإعتبار، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى لعنةٍ على لبنان. كانت البنادق تُرفع باسم القضية الفلسطنية، فيما كانت مؤسسات الدولة اللبنانية تُهدم حجراً فوق حجر، وتُختطف السيادة تحت راية الشرف والبطولة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

إجتياح 1982 أنهى مرحلة الكفاح المسلّح الفلسطيني، لكنه لم يُنهِ منطق السلاح. خرجت منظمة التحرير من بيروت، لكن البندقية لم تغادرها. بقي السلاح يبحث عن رايةٍ جديدة، فوجدها في الثورة الإيرانية الصاعدة التي استنسخت فكرة «المقاومة». وكما انتقلت الاحلام من الدولة العربية الكبرى الى الدولة الاسلامية الكبرى انتقل إطارٍ المقاومة من قوميٍّ عربي إلى مشروع «إيراني- إسلامي». تغيّر الخطاب من «تحرير فلسطين» إلى «مواجهة العدوّ»، ومن «القومية العربية» إلى «الولاء للوليّ الفقيه»، لكن النتيجة واحدة: لبنان ساحة لا دولة، ومستقبل شبابه ضائع بين دخان أوهام الامبروطوريات.

منذ ذلك الحين، إنتقل البلد من وصايةٍ إلى أخرى، ومن حربٍ إلى دولة تحت رحمة السلاح، تكرر بشكل ببغائي في بياناتها الوزارية منذ تطبيق اتفاق الطائف شعارات فارغة وكأنها تعويذة سحرية مفروضة عليها. ما تغيّر لم يكن سوى اللغة: بدل «الكفاح المسلح»، صار «السلاح المقدس»؛ لكن النتيجة واحدة: مؤسساتٌ منهارة، اقتصادٌ مخنوق، دولة عاجزة، ومجتمعٌ ينهشه الانقسام والفساد والزبائنية.
لقد أصبح واضحًا أن ما سُمّي بـ«المقاومة الإسلامية» لم يكن سوى تكرارٍ لتجربة «الكفاح المسلّح» السابقة. فكما حوّل السلاح الفلسطيني لبنان إلى ساحة حربٍ بالوكالة في السبعينات، حوّل السلاح الإيراني ـ اللبناني البلد بعد الثمانينات إلى جبهةٍ مفتوحة باسم الإيمان والجهاد. لكن لم يتحرر شبراً إضافياً، ولم تُبنَ دولة، ولم تتحقق العدالة الاجتماعية. ما تحقق فعلاً هو ميليشيا تملك السلاح لكن مشروعها ليس لبنان دولة مستقلة ولكنه ساحة او جزء من الدولة الاسلامية الكبرى التي يرعاها الخامنئي.

في عهدي الرئيسين أميل لحود وميشال عون اندمجت مؤسسات الدولة كليًا مع منطق «المقاومة» إلى حدّ جعل العنوان يتحكم بالمضمون: «رئاسة المقاومة»، «دولة المقاومة», شعاراتٌ رسمت خارطة جديدة للسلطة، حيث صار أي فعل يُنسب «للمقاومة» منزّهًا عن الرقابة والقانون. وتحول الأمر إلى ثقافة مؤسساتية: الأجهزة الأمنية تعاملت مع مسائل مثل نقل السلاح أو التهريب الجمركي أو تجارة الممنوعات كما لو كانت ملفاتاً خارجة عن نطاق عملها وعمل القضاء، وكأن هناك حقلًا محميًا فوق القانون لا يجوز الاقتراب منه.
هذا الامتيازُ خلق بيئة حاضنة للفساد والزبائنية، إذ غدا «لصالح المقاومة» غطاءً علنيًا لكل انتهاك مؤسساتي؛ فَاهترأت أسس الدولة، واختل ميزان العدالة، وانتشرت الزبائنية كثقافة تغني عن القانون. وفي ظل التبرير المستمر لسلوكياتٍ خارجة عن النص الدستوري، لم تتبدّل الشعارات فحسب، بل تغيّرت أيضاً مسببات تدهور المؤسسات: صار السلاح غير شرعي وسيلة أساسية لفشل التنمية و الإدارة، بينما دفع المواطن اللبناني الصالح الثمن يوميًا عبر إنهيار الاقتصاد وتآكل الخدمات وتزايد الفقر.

الأرقام المعنوية هنا أكثر فداحة من أي إحصاء: مجتمع مُقسم، نزيف رأس المال البشري، ومؤسسات تُدار بعقلية «الاستثناء» لا بعقلية الدولة. وسط هذا الانهيار الشامل في أسس الدولة والاقتصاد، وصلنا جميعًا إلى حافة جهنم بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والمالية والتربوية والاجتماعية والامنية، لهذا لا بد اليوم من وقفةٍ صادقة:
كم مرة يجب أن يُدمّر لبنان ليقتنع أبناؤه أن لا قضية، مهما كانت مقدّسة، تستحق أن يضحّى من أجلها بالوطن والشعب؟
التحرير الحقيقي يبدأ بتحرير الإرادة الوطنية من الارتهان للسلاح الذي جعل لبنان حقل تجاربٍ دائمة.
آن الأوان للبنانيين أن يقولوا كلمتهم الأخيرة: لن نضحّي ببلدنا من أجل أي قضية، بل سنبني بلدنا لتكون كل القضايا ممكنة من خلاله.
فالدولة هي القضية الأولى، وما عداها تفاصيل في تاريخٍ طويل من الخسائر.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?