مناداة بنويَّة حرَّاقةٌ كلهيب دمائه، والوتر الصوتي يعزف حشرجةً منسلخة عن حنجرة منازع مخضَّبة بالظمأ والخل، واللهاث المتقطِّع يسجِّل لحظات الأنفاس الأخيرة لرجلٍ يموت عن الأمَّة. مصلوب يتوسَّل غفرانًا أبويًا لصالبيه، إنَّه الإبن الوحيد قد أصابه بنو البشر بمسِّ جنون حبِّه لهم حتى اقتبال الهوان من يدهم والآب والروح وحدهما يمتلكان سر هذا الجنون المنتقل طوعًا وطاعةً من ديار الأقانيم القدوسة الثلاثة إلى أديار تطمح لأن يكون التَّرهب فيها صفةً من صفات ألوهة سبقت المترهِّبين إلى اجتراح آية طاعةٍ يشهدان عليها المزود والصَّليب، وآية عفَّةٍ وقَّع على عقدها يوسف النجّار بوكالته عن الروح القدس، وآية فقرٍ أبرمته وصيَّة: “لا تقتنوا لا ذهبًا ولا فضَّة ولا ثوبين ولا زادين”!!
إن أنكرك الجميع فأنا لا أنكرك
سمعان بطرس في الليلة السابقة لإلقاء القبض على معلِّمه تبجَّح معتدًا برتبة هامة التلاميذ قبل أن ترتعد فرائصه أمام تلك المرأة الرَّقطاء ناجيًا بنفسه من لسانها السَّليط بجواب يرتعد نكرانًا: “أنا لا أعرف هذا الرَّجل”، لكنَّ ديك الفجر الصيّاح كان بطرسًا أكثر من بطرس.. إن أنكر الجميع قطيعك الصَّغير فنحن ما نكرناه ولن ننكره. هذان العهدان والتعهُّدان كم يليقان بالمترهِّبين للرب وللبنان وللرعيَّة المتحدِّرة من أعناق رهبان العاصي الخلقيدوني، النَّاذرة نذورها الكيانية المؤبدة بحضرة الله ويوحنا مارون وابراهيم القورشي وأساكيم هي بيارق العصاة ومزمور السّاكن في ستر العليِّ!!
مَن تقول النَّاس أنَّي أنا هو
سمعان ابن يونا أدرك الإجابة المثلى والمعلِّم أكرمه بلقب الصَّخرة صخرة البيعة المزمع أن تتجلَّى في مقالع الجلجلة، والحجر الذي انزاح عن مثوى الرب تلقائيًا هو جزء منها.
قد آن الأوان لأن ينهض راهب المسيح ولبنان ويسأل ذات السؤال: “مَن تقول النَّاس أنَّي أنا هو”؟؟.. الجواب الأصح يا راهبنا اللبناني يأتي بالتسلسل التاريخي: أنت هو الحبيس يوحنا القناتي أول الحبساء الذين أظهرتهم وثائق القارة القاديشية. أنت هو الحبيس يونان المتريتي أعجوبة محابس الملكوت القزحياوي. أنتَ جبرائيل بن ستية الأهدني والحبيس إبن البركة البقوفاوي، وكل ذلك السَّرب النسكي الملائكي الذي رسم المشاهد الفردوسيَّة في أغوار العزلة وشرفات الأشيار وشواهق التجرُّد. أنتَ هو الذي لأجل تنظيم كيانك الرهباني الديري هجر ثالوث عبدالله قراعلي وجبرائيل حوا ويوسف البتن مدينتهم الشهباء وعزَّ العيش في رحاب حلب قاصدين قنوبين حيث الأرض تعيش وعرها كاملاً وقدسيَّتها محجَّة الكاروبيم والسّاروفيم!
السؤال يُستعاد والجواب هو سعادة النَّاظرين إلى السِّراج فوق المكيال. راهب رهبانيتنا اللبنانية لن تكون في أزمنة الأهوال الوطنية لن تكون إلاَّ اغناطيوس داغر التنوري وربيبه الراهب البطل مرتينوس طربيه التنوري، وذلك القمح الرهباني يقيم لبناننا من الموت قيامة أليعازار الأول إلى أحضان أبراهيم وقيامة أليعازر الثاني من أكفانه إلى صوت صديقه يسوع!
كلَّما أعلن الرب يسوع النَّفير العام: “من ليس معه سيف فليبع رداءه ويشتري بثمنه سيفًا”. ألا يحق لنا نحن أهل رهباننا اللبنانيين وشعبهم أن نتوسَّم في كلٍّ من رهباننا هامات أفرام جعجع، وشربل قسيس، وبولس نعمان، وليبقى “وطن الرسالة ووطن “العيش المشترك” نظمًا شعريًا مؤاسيًا شاعرية “كلنا للوطن للعلى للعلم”.. من تقول الناس عنكم يا أبناء الأنبا أنطونيوس صاحب الأملاك والأطيان والسَّبائك الذهبية. إنَّ تاريخكم منذ الألفية الميلادية الأولى يخبر عنكم وضميره زيت وبخور وقربان: أنتم رهبان أولئك الفتح العقاري المحفوف بالمخاطر والملفوف بقمَّاطات تلفُّ كلَّ ما هو صورة عن ولادة الرب.
رهبان هم الذين توغَّلوا في قفارٍ قصيَّة موحشةٍ لم يتعرَّف إليها قبلهم إلاَّ بعضٌ من تسلُّل شعاع الشمس وزخات المطر وغزل الرياح. هناك اكتشفوا أرضًا لم يجدوا غير وحوش البراري يتممون معها صكوك البيع والشراء، هي الصكوك القانونية المدهشة التي وقَّعت عليها فصائل الأسود والنمورة والضباع والذئاب والثعالب والأفاعي والغزلان والماعز البري ودجاج الأرض والحجال وسائر البهائم الدَّابة.. تلك الأراضي المُشتراة من الخلائق الحيوانية الضّارية منها والأليفة كانت المقدِّمة الأكثر واقعيَّة وصدقًا للكتاب الرهباني العريق الأشهر “بستان الرهبان”!!
ما بين قزحيا والكسليك
دير جامعة الروح القدس الكسليك وقبل الإختلاط الجامعي الرهباني العلماني كان يتمتع ببعضٍ من الحصن الديري في صفوف ثانوية جامعية تقتصر فقط على الأخوة الرهبان الدّارسين، وكانت ميزانية الجامعة النَّاشئة تؤمنها أديار الرهبانية ذات الأرزاق التي يكدُّ فيها رهبان الحقلة والإخوة العملة إخوة طوباوي الرهبان الفلاحين إبن النعمة اللحفدي. أهم هذه الأديار الداعمة: دير مار أنطونيوس قزحيا المعروف بالدير الملك، ودير مار أنطونيوس حوب وجنائن تفاحهما وحقول زيتونهما، ودير مار جرجس الناعمة وبساتين موزه الشاسعة، ثم دير مار مارون عنايا ونذور زواره الشربليين!
دير مار أنطونيوس قزحيا وموقعه الجزيل النسكية، ودير جامعة الروح القدس في موقعه الكسليكي المشرَّع على انفتاح رهباني متواصل فيه إيجابيات أقدام المبشِّرين وسلبيات النافذة المفتوحة على الريح.. دير قزحيا وجامعة الكسليك وجه تشبيه بين قطب شمالي وقطب جنوبي، ومسافة هي ذاتها التي كانت بين الأب العام عبدالله قراعلي والأب العام جبرائيل حوا.. وفي تقريب للزمن، فإنَّ الأسئلة والأجوبة تحتار معًا في فصل التمايز بين ما هو لمحبسة مار بولا وكوكبها الأب أنطونيوس شينا، وبين ماهو لثورة الأبوين لويس خليفة وجوزف القزي الرَّافضين تشبث الأنبا أنطونيوس أبي الرهبان بمقارعة الأبالسة في قفاره الخاوية من واجهة حضارات أبناء هذا الدهر والمستريحة من معضلة لازمة آدم وحواء..
“مماشي الصَّنايعية” في قديم دير قزحيا علَّمت الراهب كيف يكون وطنًا، وأبناء الجبل كيف تكون جباههم جبالاً، كما حفَّظت أبناء تلك القرى المعلَّقة قبالة الغيم أصول التَّعامل مع أيام الضَّيم بدعم موثوق به من شهادات نالوها من ممشى البنَّائين، وممشى النجّارين، وممشى الحدادين، وممشى الحيَّاكين، وممشى الخيَّاطين، وممشى السكَّافين، وممشى اتقان صقل أخشاب الصنود وحديد سكك الفلاحة. مدرسة قزحيا المهنية الأهليَّة الشَّعبية كانت الوطن الرافض أن يتعرَّف على بواخر الهجرة.
دير جامعة الروح القدس وكسليك جبهة الحرية والإنسان 1975 ـ 1976 كانا الإيمان الذي نقل خرائط الوطن البديل مِن تخطيطات ذوي الشأن في المسمّاة دول عظمى ومقرَّاتهم الأممية ذات الوصمة التجارية فرفعت رهبانية البقاعكفري والحرديني والحملاوية وجهها أمام الرب القدوس والتاريخ القدسي منشدةً: “هلما معنا من لبنان”!!!
























