لماذا كل هذا التركيز على الدولة، ولماذا نرفع الصوت في وجهها ونحاسبها على تقاعسها، في وقت اتخذت فيه قرارات سيادية تهدف إلى إنهاء واقع شاذ فرضه «حزب الله» على لبنان طوال ٣٦ عاماً ؟!؟!…
وهل المطلوب أن نكتفي بالتصفيق للقرارات، أم أن واجبنا الوطني يفرض علينا أن نسأل عمّا نُفّذ منها، وما الذي لا يزال حبراً على ورق ؟!؟!…
السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الدولة قد اتخذت قرارات سيادية، بل ما إذا كانت تمتلك الإرادة والقدرة على فرضها …، فالسيادة لا تُقاس بالبيانات الوزارية، ولا بالتصريحات الرنانة، ولا بعدد القرارات التي تُتخذ في جلسات مجلس الوزراء، وإنما بمدى قدرة الدولة على فرض سلطتها على أرضها، ومنع أي تنظيم من التصرف وكأن لبنان ملك خاص له، أو ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية لا علاقة لمصلحة اللبنانيين بها …
ولفهم خطورة ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى تجربة الوصاية السورية، ثم إلى مرحلة تمدّد النفوذ الإيراني عبر «حزب الله» …، ففي الحالتين، لم تكن السيطرة على الأرض كافية وحدها، بل كان لا بد من السيطرة على الدولة نفسها، أو إخضاع قرارها السياسي، وتأمين الغطاء الرسمي الذي يحوّل الأمر الواقع إلى واقع مقبول أو قابل للتبرير …
في عهد النظام السوري، جرى تسويق الوجود السوري في لبنان تحت عناوين «الشرعي والضروري والمؤقت»، فيما تحوّلت الوصاية إلى نظام تحكّم بالقرار اللبناني ومؤسساته …
وبعد ذلك، تم ترويج بدعة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» لتكريس معادلة تسمح لـ «حزب الله» بالاحتفاظ بقرار عسكري وأمني مستقل عن الدولة، تحت عنوان المقاومة، وكأن هذا العنوان يمنح أي تنظيم الحق في تجاوز الدستور والقوانين ومؤسسات الشرعية …
في الحالتين، كان المطلوب تحييد الدولة عن دورها الطبيعي، لا إلغاؤها شكلياً، بل إبقاؤها قائمة لتوفير الغطاء السياسي والقانوني لما يجري خارج سلطتها …، فحين تصبح الدولة عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل، أو حين تتخذ قراراً ثم تعجز عن تنفيذه، تتحوّل مؤسساتها من أدوات لحماية السيادة إلى واجهة تغطي واقعاً يناقضها …
وهنا تكمن المسألة الجوهرية :
الصراع في لبنان ليس مجرد خلاف على سلاح أو تنظيم عسكري، بل هو صراع على هوية الدولة ووظيفتها ومرجعيتها …، فهل نريد دولة واحدة، بجيش واحد، وقرار واحد في الحرب والسلم، وسلطة واحدة تحمي الحدود وتفرض القانون على الجميع ؟!؟!…، أم نريد دولة تتعايش مع سلطة موازية، تمتلك السلاح والقدرة على التحرك واتخاذ القرارات المصيرية، من دون أن تخضع فعلياً للمحاسبة أمام المؤسسات الدستورية ؟!؟!…
هذه هي العقدة التي يجب ألا نحاول الالتفاف حولها …، فالمشكلة لا تبدأ عندما يُنقل السلاح، بل عندما يصبح نقل السلاح ممكناً خارج رقابة الدولة …، ولا تبدأ عندما ينفّذ تنظيم نشاطاً عسكرياً أو أمنياً، بل عندما يعتقد أن لديه الحق في القيام بذلك من دون إذن من المؤسسات الشرعية، وكأن سيادة لبنان مسألة اختيارية، تُحتَرم حين تتوافق مع مصالحه وتُضرَب حين تتعارض معها …
ومن هنا، فإن السؤال عن مسؤولية الدولة ليس استهدافاً لها، ولا تقليلاً من قيمة القرارات السيادية التي اتخذتها …، بل على العكس، إن محاسبتها هي الطريق إلى تثبيت هذه القرارات ومنحها معناها الفعلي …، فالدولة التي نريدها ليست دولة تُعفى من المساءلة لأنها اتخذت موقفاً صحيحاً، بل دولة تتحمّل مسؤولية تحويل موقفها إلى واقع ملموس، مهما كانت الضغوط والتحديات …
إن أي حادثة تتصل بنقل المتفجرات أو الأسلحة أو المواد التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية وأمنية خارج الأطر القانونية، تطرح سؤالاً بالغ الخطورة :
كيف أمكن حصول ذلك، ومن سهّل العملية، وأي شبكات تقف وراءها، وأين كانت الأجهزة المكلفة بحماية الأمن والسيادة ؟!؟!…
إذا صحّت المعطيات المتعلقة بشحنة المتفجرات، فإن القضية لا يجوز أن تُختصر بضبط الشحنة أو توقيف بعض الناقلين، ثم إقفال الملف وكأن شيئاً لم يكن …، المطلوب تحقيق قضائي وأمني جدي ومستقل، يكشف مصدر الشحنة ووجهتها والجهة التي طلبت نقلها، ويحدّد المسؤوليات على مختلف المستويات، من المنفذين المباشرين إلى كل من أعطى الأوامر أو أمّن التغطية أو سهّل مرورها، وصولاً إلى القيادات التي تثبت التحقيقات صلتها بالعملية …
لا يجوز أن يكون هناك شخص فوق القانون، ولا تنظيم يتمتع بحصانة سياسية أو أمنية تمنع التحقيق معه أو ملاحقته …، فالمسؤولية لا تُحدَّد بالانتماء السياسي، بل بالأدلة والوقائع، ولا تُرفع عن أحد لمجرد أنه يرفع شعاراً وطنياً أو يتذرّع بقضية عامة …، وأي مسؤول تثبت مسؤوليته يجب أن يخضع للمحاسبة وفقاً للقانون، أياً كان موقعه أو نفوذه …
وفي الوقت نفسه، لا يجوز للدولة أن تتعامل مع مثل هذه الوقائع باعتبارها حوادث منفصلة لا رابط بينها …، فإذا كانت هناك شبكات لنقل السلاح أو المتفجرات، فإن واجب المؤسسات هو تفكيكها، وكشف امتداداتها، ومنع تكرار نشاطها، لا الاكتفاء بردّ الفعل بعد وقوع كل حادثة …، فالأمن الاستباقي، والتحقيق الجدي، والرقابة الفعلية على الحدود والمرافئ والمعابر، هي من صلب مسؤوليات الدولة التي تدّعي احتكار القوة الشرعية …
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن القرارات السيادية لا تساوي شيئاً إذا بقيت من دون تنفيذ …
لقد اتخذت الدولة قرارات تتصل بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وبإنهاء الوضع العسكري والأمني المستقل لـ«حزب الله» …، وهذه القرارات، متى أصبحت نافذة وفق الأصول، يجب أن تتحوّل إلى خطة تنفيذية واضحة، محددة المراحل والمسؤوليات والمهل، لا أن تبقى عناوين عامة قابلة للتأجيل والتفسير والالتفاف عليها …
والمطلوب من مجلس الوزراء أن يحدّد بصورة لا لبس فيها قواعد تطبيق هذه القرارات، وأن يؤكد أن الأراضي اللبنانية ليست منصة لأي نشاط عسكري أو أمني خارج سلطة الدولة، وأن يكلّف الأجهزة المختصة تنفيذ القانون وملاحقة المخالفين، تحت إشراف قضائي واضح، وبما يضمن المحاسبة والمساواة أمام القانون …
لا يكفي أن تقول الدولة إن قرار الحرب والسلم يعود إليها، فيما يستطيع طرف آخر أن يجرّ لبنان إلى مواجهة أو يكدّس السلاح أو ينقله أو يستخدمه من خارج مؤسساتها …، ولا يكفي أن تعلن الدولة رفضها لوجود تنظيم عسكري مستقل، فيما يستمر هذا التنظيم في العمل على أساس أن قرارات السلطة السياسية لا تلزمه …
إن التناقض بين القرار السياسي والتطبيق الميداني هو الذي يضرب صدقية الدولة …، وكل يوم يمرّ من دون تنفيذ فعلي يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار الأمر الواقع، ويعطي الانطباع بأن هناك قرارات يمكن اتخاذها لإرضاء الرأي العام، وأخرى يجري تجميدها عندما يحين موعد المواجهة مع أصحاب النفوذ والسلاح …
محاسبة كل من يخالف القانون ويتجاوز سلطة الدولة، ومحاسبة كل مسؤول رسمي يثبت أنه قصّر في تنفيذ واجباته أو عطّل تطبيق القرارات النافذة …، فالمسؤولية لا تقع على من يخرق القانون وحده، بل تشمل أيضاً، ضمن حدود المسؤولية التي يثبتها التحقيق، من يملك صلاحية المنع ويتقاعس عن استعمالها …
ولأن السيادة ليست شعاراً، فإن المطلوب أيضاً إعادة النظر في الأداء العسكري والأمني للدولة، وتطوير التنسيق بين أجهزتها، وتعزيز قدراتها على ضبط الحدود ومراقبة حركة السلاح وملاحقة الشبكات غير الشرعية …
ولا بد من مراجعة مكامن الخلل التي سمحت بحدوث أي خرق، وتحديد ما إذا كان ناجماً عن نقص في الإمكانات، أو ضعف في التنسيق، أو تقصير في التنفيذ، أو تدخلات حالت دون قيام المؤسسات بواجباتها …
وإذا كان تأخير بعض العمليات أو كشف بعض الشبكات قد أتاح فرصة لإعادة ترتيب الإجراءات، فيجب استثمار هذه الفرصة لتقوية المؤسسات الشرعية، لا لمنح المخالفين وقتاً إضافياً لإعادة تنظيم صفوفهم أو تغيير أساليبهم …، فكل ثغرة تُترك مفتوحة قد تتحوّل إلى مدخل لخرق جديد، وكل قرار لا تُستكمل آليات تطبيقه يبقى عرضة للتعطيل …
وفي هذا السياق، لا يجوز أن يكون الهدف مجرد تسجيل موقف سياسي في مواجهة «حزب الله»، بل إعادة بناء معادلة واضحة تحكم علاقة الدولة بكل القوى والأحزاب والتنظيمات على السواء :
لا سلاح خارج الشرعية، ولا قرار أمني مستقل عنها، ولا استخدام للأراضي اللبنانية في عمليات عسكرية تخدم أجندات خارجية أو تضع البلاد في مواجهة لا يقرّرها اللبنانيون من خلال مؤسساتهم الدستورية …
فلبنان ليس قاعدة عسكرية لأحد، ولا ورقة تفاوض في يد أي دولة إقليمية، ولا ساحة لتصفية الحسابات بين المحاور …، ومن حق اللبنانيين أن يعيشوا في دولة تحميهم، لا في دولة تتحمّل نتائج قرارات لم تتخذها، وتدفع أثمان حروب لم يختارها شعبها، ثم تكتفي بعد كل كارثة بإصدار البيانات والتعهدات …
ومن الخطأ الاعتقاد أن الدفاع عن الدولة يقتضي السكوت عن أخطائها …، فالدولة القوية لا تخاف من المحاسبة، بل تستمد قوتها من تطبيق القانون على الجميع …
كما أن المطالبة بتنفيذ القرارات السيادية لا تعني المطالبة بالفوضى أو بمواجهة غير محسوبة، بل تعني وضع خطة قانونية ومؤسساتية متكاملة، تحمي المواطنين وتمنع الانزلاق إلى صدام داخلي، وتعيد في الوقت نفسه الاعتبار لسلطة الدولة الحصرية …
إن الدولة لا تستعيد سيادتها بمجرد إعلانها، بل عندما يصبح قرارها نافذاً على الأرض، من دون استثناءات أو ازدواجية في المعايير …
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة إعلان النيات إلى مرحلة التنفيذ …، على الدولة أن تثبت أن قراراتها ليست مجرد استجابة ظرفية لضغط داخلي أو خارجي، بل تعبير عن خيار وطني ثابت، وأنها مستعدة لتحمّل مسؤولياتها كاملة، ضمن الدستور والقانون، في مواجهة كل من يحاول إبقاء لبنان رهينة السلاح الخارج عن سلطتها …
أما الاستمرار في سياسة التردد، فسيعني عملياً أن القرار الرسمي شيء والواقع شيء آخر، وأن المؤسسات الشرعية تقرّ بما يجب أن يكون، فيما يفرض أصحاب القوة المسلحة ما يريدون أن يستمر …، وعندها، لن تكون المشكلة في غياب النصوص أو القرارات، بل في غياب القدرة على فرضها …
ولنكن واضحين : لا يمكن بناء دولة فعلية فيما يحتفظ أي طرف بحق تعطيلها، ولا يمكن حماية السلم الأهلي فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، ولا يمكن مطالبة اللبنانيين بالثقة بدولتهم إذا كانت قراراتها لا تُترجم إلى حماية فعلية لأمنهم ومستقبلهم …
المطلوب اليوم ليس مزيداً من البيانات، بل دولة تنفّذ …، ليس مزيداً من الوعود، بل مؤسسات تحاسب …، وليس مجرد إعلان حصر السلاح، بل تطبيق فعلي للقانون على كل من يحمل سلاحاً خارج الشرعية أو يستخدم الأراضي اللبنانية لأغراض عسكرية وأمنية غير مشروعة …
فالدولة التي تتخذ القرار ولا تنفّذه لا تكون قد استكملت ممارسة سيادتها …، والدولة التي تسمح باستمرار واقع يناقض قراراتها تترك مواطنيها أمام مخاطر لا يملكون قرار تجنّبها …
أما الدولة التي نريدها، فهي الدولة التي لا تخضع لابتزاز السلاح، ولا تتنازل عن صلاحياتها، ولا تساوم على أمن شعبها، وتطبّق القانون على الجميع من دون خوف أو تمييز …
لقد حان وقت الحسم المؤسساتي والقانوني، لا الحسم بالشعارات …، حان وقت وضع القرارات السيادية موضع التنفيذ، بدءاً من الآن، لأن كل تأخير إضافي لا يضعف صدقية السلطة فحسب، بل يعرّض لبنان مجدداً لاحتمالات الموت والدمار والفوضى …
فالسيادة التي لا تُمارَس تبقى ادّعاءً، والقرار الذي لا يُنفَّذ يتحوّل إلى ورقة، والدولة التي لا تفرض القانون على الجميع تترك مكانها لمن يفرض إرادته بالقوة …، ولبنان لم يعد يحتمل دولة تقول شيئاً على طاولة مجلس الوزراء، فيما يجري على أرضه شيء آخر تماماً …
























