المسيرة- بينما تنشغلُ شاشاتُ العالمِ بالعدِّ التنازليِّ لكلِّ تهديدٍ إيرانيٍّ بإغلاقِ مضيقِ هرمزَ، وتتصدَّرُ أخبارُ ناقلاتِ النفطِ في الخليجِ العناوينَ الرئيسيَّةَ، ثمَّةَ “لعبةُ ظلالٍ” تُدارُ في مكانٍ آخرَ، بعيدًا من صخبِ التغطياتِ المباشرةِ، ولكنْ بخطورةٍ لا تقلُّ عن الحربِ المفتوحةِ: إنَّها معركةُ بابِ المندبِ.
لم تَعُدِ الحروبُ اليومَ تُقاسُ فقط بمدى الصواريخِ أو كثافةِ الغاراتِ، بل بقدرةِ الأطرافِ على “خنقِ” الشرايينِ البحريَّةِ التي يتنفَّسُ منها الاقتصادُ العالميُّ.
لعقودٍ، كان مضيقُ هرمزَ هو “البعبعُ” الذي يُخيفُ أسواقَ الطاقةِ. إيرانُ، بفضلِ موقعِها الجغرافيِّ، جعلتْ منه ورقةَ ضغطٍ وجوديَّةً. لكنَّ التطوراتِ الأخيرةَ كشفتْ أنَّ هناك ورقةً ثانيةً، ربَّما تكونُ الأكثرَ إيلامًا في جسدِ الاقتصادِ العالميِّ: بابُ المندبِ.
وإذا كان إغلاقُ هرمزَ يعني “توقُّفَ القلبِ” عن ضخِّ النفطِ، فإنَّ اضطرابَ بابِ المندبِ يعني “تصلُّبَ الشرايينِ” التي تمرُّ عبرها التجارةُ العالميَّةُ بين آسيا وأوروبا. وهنا نتحدَّثُ عن الممرِّ الإلزاميِّ لقناةِ السويسِ، حيثُ لا يقتصرُ الأمرُ على النفطِ، بل يمتدُّ لكلِّ سلعةٍ استهلاكيَّةٍ، وسلسلةِ إمدادٍ، وحركةِ حاوياتٍ يعتمدُ عليها استقرارُ الدولِ.
جيبوتي: رقعةُ الشطرنجِ التي لا تنامُ
مَن يُراقبُ الخارطةَ العسكريَّةَ في جيبوتي، يُدركُ أنَّ القوى الكبرى ـ الولاياتُ المتحدةُ، وفرنسا، والصينُ، واليابانُ ـ لا تتواجدُ هناك صدفةً. إنَّها ليستْ قواعدَ لمكافحةِ القرصنةِ، بل نقاطُ ارتكازٍ في معركةٍ جيوسياسيَّةٍ طاحنةٍ.
لقد تحوَّلَ هذا المضيقُ الصغيرُ الذي يفصلُ اليمنَ عن القرنِ الإفريقيِّ إلى ساحةِ الاشتباكِ الصامتةِ. فالحوثيُّون، كذراعٍ استراتيجيَّةٍ لإيرانَ، نجحوا في فرضِ “معادلةِ استنزافٍ”: لا حاجةَ إلى إغلاقِ المضيقِ تمامًا لإحداثِ الضررِ؛ فمجرَّدُ تهديدِ سفينةٍ واحدةٍ، أو رفعِ أقساطِ التأمينِ البحريِّ، أو إجبارِ السفنِ على اتِّخاذِ مساراتٍ بديلةٍ، هو انتصارٌ في حربِ الأعصابِ يُنهكُ الخزينةَ الدوليَّةَ ويُربكُ سلاسلَ الإمدادِ العالميَّةَ.
لم يَعُدِ الصراعُ يدورُ حول احتلالِ الأرضِ، بل حول السيطرةِ على “الممراتِ”. إنَّ إيرانَ اليومَ تلعبُ على وترينِ: تضغطُ من الشرقِ عبر هرمزَ، وتستنزفُ الغربَ والولاياتِ المتحدةَ من الجنوبِ عبر بابِ المندبِ. والنتيجةُ؟ واشنطن تجدُ نفسَها أمامَ معضلةٍ أمنيَّةٍ مزدوجةٍ، مُجبرةً على توزيعِ أساطيلِها بين مضيقينِ، بينما الاقتصادُ العالميُّ يقفُ على حافةِ “عدمِ اليقينِ الدائمِ”.
إنَّ القوةَ في القرنِ الحادي والعشرينَ لم تَعُدْ مقتصرةً على مَن يملكُ حقولَ الطاقةِ، بل على مَن يملكُ مفاتيحَ الممرّاتِ التي تنقلُها. لقد سقطتِ الأوهامُ القديمةُ التي كانتْ تحصرُ الأمنَ العالميَّ في التوازناتِ البرِّيَّةِ، ليجدَ العالمُ نفسَه اليومَ أسيرًا لـ”جغرافيا الممرّاتِ”؛ حيثُ لم يَعُدْ “بابُ المندبِ” مجرَّدَ ممرٍّ مائيٍّ عابرٍ، بل تحوَّلَ إلى جبهةِ اشتباكٍ استراتيجيَّةٍ ترسمُ ملامحَ النفوذِ القادمِ.
لقد استنزفتْ “حروبُ الممراتِ” الصامتةُ هيبةَ القوى العظمى، وأثبتتْ أنَّ استراتيجياتِ الردعِ التقليديَّةِ لم تَعُدْ صالحةً لمواجهةِ خصومٍ يُتقنونَ فنَّ “اللعبِ على الحوافِّ”. نحنُ اليومَ لا نشهدُ مجرَّدَ توتراتٍ بحريَّةٍ عابرةٍ، بل نعيشُ لحظةَ ولادةِ واقعٍ بحريٍّ جديدٍ، أصبحتْ فيه السفنُ التجاريَّةُ رهائنَ سياسيَّةً، وأضحتْ فيه المضائقُ المائيَّةُ هي الساحاتُ الحقيقيَّةُ التي تُكتبُ فيها تواريخُ الهيمنةِ… وفي هذا المشهدِ الجديدِ، لم يَعُدِ السؤالُ عن “متى يُغلقُ المضيقُ؟” ذا جدوى، فالمضائقُ أُغلقتْ فعليًّا أمامَ استقرارِ الاقتصادِ العالميِّ، وأصبحَ العالمُ يرقصُ على إيقاعِ تهديدٍ لا يحتاجُ إلى إعلانِ حربٍ ليبدأَ تأثيرُه المدمِّرُ.
























