المسيرة – هناك فرقٌ بحجم السماء والأرض بين من عشق تراب هذا الوطن، وبين من عَشِقَ صوت البندقية.
الأوّل وُلد من رحم الأرض، ورضع مع الحليب وصايا القديس يوحنا مارون، تلك التي اختصرها البطريرك صفير بعبارة خالدة: “نحن عشّاق حرية، فإذا عُدمناها عُدمنا الحياة”. عشقٌ يتغذّى من ثقافة وعلم القديس اسطفان الدويهي، ومن البطولات الاسطورية الخالدة التي جسدها البطاركة جبرائيل حجولا ودانيال الحدشيتي، ومن حكمة بولس مسعد وتخطيط الحويّك وجرأة عريضة. إنّه عشقٌ للأرض كـ”وقف الله”، عشق الحارس الابدي لأرز الرب وأرض القداسة، عهدٌ ابدي أن لا يُدنّسها دخيل ولا تُستباح من غريب.
ولعلّ صوت البطريرك الحويّك ما زال يدوّي منذ مؤتمر الصلح في باريس حين قال:”إنّ لبنان وُجد ليكون وطنًا حرًّا مستقلًا، لا ساحة للصراعات ولا ميدانًا للتبعيّات.”وفي رؤيته للعلاقات الدولية، أوضح:”لبنان وطنٌ ذو وجه عربي وانتماء مسيحي مشرقي، منفتح على الغرب من دون أن ينفصل عن الشرق.”
بهذا التوازن، رسم حدود العشق الحقيقي: وطن يُبنى بالحكمة والإرادة، لا بالسلاح والدمار.
ثم جاء البطريرك أنطون عريضة، ليؤكّد وسط أتون الحروب أنّ:”لبنان وطن نهائي لأبنائه جميعًا، لا يُختزل بحزب ولا يُباع لمحور.”
لقد فهم أنّ العشق للأرض لا يمكن أن يقاس بموازين القوى أو التحالفات، بل بصدق الانتماء وحرارة الإيمان بحرية الوطن وسيادته.
في المقابل، ثمة عشق آخر مستورد من بلاد الفرس… عشقٌ أعمى للبندقية. عشقٌ دخيل، غريب عن أرضنا، يحمل في جوفه رائحة الموت بدل عطر الحياة، ويجعل من دم الشباب جسرا لتكريس أحلام عجزة تدعي أنها أشباه آلهة أرضية تأمر باسم الله وتقرر عن الله وتدعي الحكم بالوكالة عن الله.
ولعلّ ما قاله الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله يوضح طبيعة هذا العشق حين أعلن بوضوح:”نحن كمؤمنين عقائديين نؤمن بالدولة الإسلامية، ولبنان ليس دولة إسلامية واحدة، وإنما جزء من الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليه الإمام الخميني.” بهذه الكلمات يُختزل لبنان إلى “جزء” في مشروع خارجي أوسع، لا وطنًا كاملًا مستقلًا. فهنا يتجلى الفرق بين عشق الأرض كهوية ورسالة، وبين عشق البندقية كممر إجباري إلى ولاية لا تعترف بالوطن إلا كأرض عادية تشبه غيرها تحت سلطة غيبية سياسية عابرة للحدود.
واليوم، ومع تولّي الشيخ نعيم قاسم منصب الأمين العام الجديد لحزب الله، جدّد هو الآخر إيمانه بعشق البندقية حين قال:”سلاحنا ليس تفصيلًا ثانويًا ولا خيارًا عابرًا، إنّه جوهر وجودنا وعنوان هويتنا. نحن نرى في المقاومة قدرًا إلهيًا، ومن دون البندقية لا معنى لحضورنا ولا لدورنا.”بهذا التصريح، يتكرّس المنطق ذاته: البندقية أولًا، والوطن لا مكان له أصلًا في معادلة عقائدية تختزل كل شيء في مشروع ثنائية: العقيدة و السلاح.
البطريرك صفير كان قد حذّر من هذا الانحراف الخطير حين قال:”الوطن لا يُبنى بالحقد ولا يُحمى بالانقسام. الوطن يبنيه الأحرار، ويدمّره الأسرى لأحلام الآخرين.”
وكم تبدو كلماته اليوم صرخة مدوّية أمام من استبدل عشق الأرض بعشق البندقية.
عشق الأرض يزرع الحرية في كل وادٍ وجبل، وعشق البندقية يزرع الرعب في كل حيّ وزقاق. الأوّل يرى الوطن رسالة، أما الثاني فيراه ساحة حرب. الأوّل يقدّس الكرامة والسيادة، والثاني يقدّس وصاية السلاح وولاية الفقيه.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إمّا أن نستعيد عشق الأرض، عشق الحرية، عشق الحياة… أو نبقى أسرى عشق البندقية الذي لا يُنتج سوى الموت والتيه.
فالخيار واضح، والحقيقة أبسط من أن تُخفى: من أحبّ الأرض بنى وطنًا، ومن أحبّ البندقية تبع أوهام إمبراطوريات لا تنتهي.























