عاشق اللغة والمفردات المنقّحة من كل الشوائب رحلَ إلى حيث لا وجع ولا ألم بسام برّاك قد لا تكون الكلمات كافية في وداعك، لكن كن على يقين أن مدرسة اللغة العربية ستفتقدك، وسيشتاق طلابها من أدباء وكتّاب ومفكرين وإعلاميين من كان يحيِّك الكلمات ويطرّزها ليكون الثوب لائقاً باللغة العربية التي أحببت. حتى المنابر في يوم الجمعة العظيمة والشاشات غدا في يوم استقبال البابا لاون الرابع سيفتقد صوتك وكلماتك التي تحفر في القلوب قبل أن تخلّد في صفحات التاريخ. بسام براك ذاك الحبر الذي سكبته على صفحات مجلة المسيرة وحضورك الراقي سيرافقنا ولو من بعيد. تعازينا من أسرة مجلة المسيرة لأفراد عائلتك الصغيرة والكبيرة في حقول الإعلام والأدب والفكر والتربية. حارس اللغة بسام براك...إلى اللقاء
إفتح لنا سيّدي….بيوتنا مقفلة.. كنائسنا موصَدة
تعال من أورشليم ولتقُمِ القيامةُ ههُنا.
بسام براك
كيف وجدتَ مرورك في الطرقات هذه السنة بلا دمع يسبقك ، ولا عذارى يتبعنك، ولا سمعان يلاقيك ليتناولَ عنك الخشبة قبل أن يتعبَ قبلَك؟
وحدك سرت أمسِ في الشوارع، في طرق العالم ، ولم تجد القادمين إليك على عصا الخطيئة، ولا الشامتين بك بصولجان ينهال على قامتك! حتى صالبوك اختفوا، جمعوا عُدةً يستعيدونها من ألفَي عام ، يجلبونها من خزانة بيلاطوس وأقفلوا حقدهم عليها قبل أن يهرعوا الى عتمتهم…
فكيف بدت لك أورشليم في جُمعتك صعودا نحو الجلجلة وهي مقفرة من يدَي بيلاطوس و من أقدام جنوده؟ وحدها مريم بظلال دمعها الأزرق رافقتك وأبقت عينها علينا هنا…. هل سمعتَ من قبلُ بصمتنا إمّا عن جَلدك و إمّا عن نَدبك…هل غابت عن عينيك مرةً مسيراتُنا في يوم الجمعة صوبك إمّا متلهفين لننزلك عن الخشبة إمّا مستعجلين لنرفعَك عليها…نحن صالبوك ونحن مُنزلوك ..نحن مؤمنوك ونحن كافروك..واليوم شبحٌ خفيٌ حال دون خروجِنا الى طرقات “العظيمة” ..شبح، لا هو من بقايا ظلامة هيرودوس، ولا هو من سواد خيال يهوذا ، ولا من صدى صياح الديك لبطرس ولا في بصمة شكوك توما ، ولا في قلق نيقوديموس وتردّده…شبح أفرغ الكنائس من ناسك، أصفياءك كانوا أو أعداءك، من عذارى يبتهلن لتكون كل واحدة أمّك علّها تحظى بلحظة أمامك تحت الصليب أو قبله أو بعده…لا فرق!
كلنا سُكنى البيوت يحجرنا ذلك العدوُّ الجديد ، فاعبر سيّدي …لوقع قدميك صدًى يُسمع من اورشليم الصامتة الى لبنان الساكن …حيث لا جسر بين بلادي وبلادك ولا جواز سفر يتيح لنا الوصولُ إليك حتى ولو غاب العدو الجديد . ..فتعال إلينا، نحن خلف زجاج بيوتنا مختبئين خائفين لا من قائد المئة، ولا من مَجمعٍ حاكمَك ولم يحكُمك، ولا من قائد روماني يتلبّس بثياب قائد آخر في زمننا ..تعال …لقد أطلقنا لك في الفضاء خوفَنا ودعاءنا، وسؤالنا عن يوم الحساب إن أقبلَ وحانَ، وسردنا لك أوجاعنا من مرض أوجعَ ممّا أصاب النازفة والأبرص والأعمى والمخلّع…فالتفت هنا وهناك وضُمّنا إليك وأنت فاتحٌ يديك، في مسمار الشمال خبّئ بكاءنا وجفّفه، في مسمار اليمين إكسر صمتنا واصرخه… في شوك إكليلك أمحُ وخزَ “وبَأٍ” لا ندري كيف يتسلل إلينا ، لا يُرى ولا يُلمس….وحين تزيله نادِ علينا لنخرج اليك أفواجا أفواجا ونفتح البيوت أبوابا أبوبا ونملأ الكنائس مذابحَ مذابح ….لا تهمل لبنان في صعودك نحو مشيئتك…إحسبه لصّ اليسار واغفر له…إحسبه لصّ اليمين وارفعه معك…إحسبنا من سبطك أو أترابك في بيتً لحم، ولا تبلغ المرحلة الرابعة عشرة إلا في وطني فتقوم القيامة ههنا …
إقترب سيدي، لبنان على مرمى خشبة من أورشليم تحت سقف سماء أبيك، وكل عام نعلو مع صليبك ونُصلَب مثلك …لا تقلق ..لن تضيِّع الطريق ، إن نسيت تذكر انّ لك فيه عرسا ومآتم كثيرة في لبنان، ولك عندنا أمك الواقفة أعلى جبين بلادي وهي تدلّك الينا واحدا واحدا..سنكون كثيرين عل عدد بيوتنا فأكثر ..سنكون خبزا وسمكا يتكاثر على قدْر جوعنا اليك…لا تتركنا نغلق كنائسَنا لحظة قيامتك… إفتح أبوابها سيّدي لنعبر إليك…إفتح لنا سيّدي قبل أن نصير في بيوتنا رُكاما نمحو بعضنا بغضا وخطايا تقتل ذاتها … يكاد أحدُ القيامة يضيء وأنا في عتمتي…فافتح لي سيّدي.























