عندما تتحول الثقة ترفاً عاطفياً

المسيرة – في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة عهدًا. لكنّنا اليوم نقفُ على أطلالِ الأخلاقِ لنتساءل: كم يُكلّفُ أن تصدّقَ أخاك في الإنسانية؟ الثقةُ ليست ترفًا عاطفيًا، بل هي العمود الفقري الذي يحمل جسد الحضارة، وإذا انكسر، تهاوت الهياكلُ كلّها تحت وطأة الشكّ المدمّر. إنّها، كما يصفها عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان في كتابه “الثقة” (Trust and Power)، الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها البشر لاختزال التعقيد في هذا العالم؛ فمن دونها، يتحوّل المستقبل إلى جحيمٍ من الاحتمالات المرعبة، وتصبح كلّ خطوةٍ إلى الأمام مشروعَ سقوطٍ في هاوية الخيانة. غير أن هذه الثقة، التي هي رأسمالُ الروح والمجتمع، ليست عُملةً موحّدة في سوق الإنسانية، بل هي تضاريسُ نفسيةٌ وثقافيةٌ تتلوّن بلون الشعوب وتاريخها.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

في براري الشرق وبعض جباله، تلمسُ الرجالُ “شاربها” لتقسم بالدم والشرف، مستعيرةً من جسدها كفيلًا للغيب، وفي غربِ الأرضِ يشدّون على يدك بوقارٍ قائلين “it is a deal”، فتتحوّل الكلمة إلى ميثاقٍ تعبُر فوقه ناطحاتُ السحاب. بينما في زوايا أخرى من الكوكب، يوقّع المغرضون بأقلامٍ مغموسة بالرياء، ويكذبون قبل أن يجفّ حبرُ العهود. وهنا، في ثنايا ثقافاتٍ أخرى كالصينية التقليدية أو عائلات المافيا الإيطالية، تضيقُ الثقةُ حتى تختنق، فلا تتجاوز عتبة البيت؛ وهي الظاهرة التي شرّحها فرانسيس فوكوياما في سفره الخالد “الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الرخاء” (Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity)، حيث قسّم المجتمعات إلى “عالية الثقة” و”منخفضة الثقة”.

في المجتمعات المنخفضة الثقة، تنحسر الطمأنينة لتصبح “ثقةً عائلية ضيّقة” (Particularized Trust)، حيث الخوف من الآخر الغريب هو القاعدة، وحيث العائلة أو الطائفة هي الملاذ الوحيد والقلعة الأخيرة ضدّ غدر العالم الخارجي، ما يحرم المجتمع من بناء شبكات تعاون واسعة، ويحكم عليه بالتقوقع والضمور الاقتصادي.

هذا الانحسار نراه جمرًا يحرق حقولنا في لبنان وفي معظم أرجاء المشرق والدول النامية. في هذه البقاع، الثقةُ باهظةُ الثمن، كلفةُ غيابها تفوقُ طاقةَ البشرِ على الاحتمال. عندما تموت الثقةُ الاجتماعية، يرتفعُ ثمنُ المعاملات الاقتصادية (Transaction Costs) إلى حدودٍ فلكية؛ فالتاجر لا يأمنُ للمورّد، والمواطن لا يأتمن المصرف على جنى عمره، والقانون يصبح وجهة نظرٍ تشتريها المحسوبيات. قارنوا هذا بالدول التي عبرت نحو ضفاف الحداثة والحضارة؛ هناك، الثقةُ هي العملةُ الاحتياطيةُ الكبرى. في المجتمعات عالية الثقة، تنشط الدورة الاقتصادية لأنّ القانون ليس سياجًا للخوف بل بيئةٌ للأمان، والمؤسسات تتحرك بمرونة لأن “الثقة المؤسساتية” (Institutional Trust) تحمي الأفراد دون الحاجة لوساطة زعيم أو حماية طائفة. في تلك البلاد، القضاءُ محرابٌ لا تدخله نجاسات السياسة، ورجلُ الأمنِ حارسٌ للعقد الاجتماعي لا سوطٌ بيدِ الحاكم. أما في بلادنا، فقد أحلّت “الزبائنية” محلّ المواطنة، وأصبح “رجل السياسة” كاهنًا في معبد الكذب، يعشّشُ في ضمائر الناس بالخوفِ من “الآخر”، مستقويًا بضعف نفوسهم ليقدّم لهم أمانًا وهميًا مقابل ولائهم الأعمى. وحتى “رجال الله”، أولئك الذين من المفترض أن يكونوا صلة الوصل بين الأرض والسماء، صار كثيرٌ منهم وعّاظًا على المنابر بما لا يعيشون في الخفاء، يطالبون بالفقر وهم غارقون في نعيمِ الهبات، ويدعون إلى المحبة وهم ينفخون في كير الفتن؛ فصارت كلماتهم رنينًا بلا جسد، وشهادتهم زورًا أبعدت القلوب عن ينابيع الإيمان، وجعلت حتى العبادة طقسًا خاليًا من الصدق.

والمأساة الكبرى لا تقف عند جيلنا الذي تلوّث بمرارة الخيبات، بل تتسلل كالسّم البطين إلى عروق الأجيال الصاعدة والشباب الذين نربّيهم في بيوتنا ومدارسنا. نحن ننشئ جيلًا يرضع الشكّ مع الحليب. وعندما يرى الطفل والده يلتفّ على القانون لتحصيل حقوقه، أو يسمع والدته تحذّره من تصديق أي غريب، وعندما يشاهد الشبابُ أصحابَ الكفاءاتِ متروكين على قارعة الإهمال بينما يترقى الفاسدون بمباركة رجال الدين والسياسة، ينشأ لديهم ما يسميه علم النفس الاجتماعي “العجز المتعلّم” (Learned Helplessness) والانفصام القيمي.

يتعلم الطفل منذ نعومة أظافره أنّ الصدق حماقة، وأنّ القانون مجرّد فخّ يُنصب للضعفاء ويتجاوزه الأقوياء، وأنّ السير مستقيمًا في بلدٍ أعوج هو انتحارٌ بطيء. في هذا المناخ، تتحول التنشئة الاجتماعية من عملية بناء مواطن إلى عملية تدريب على “البقاء الأناني”. يتعلم الجيل الجديد ألا يثق بوطنٍ لا يحميه، وألا ينتمي لدولةٍ تسرقه، فيصبح الانتماءُ لديه تذكرة سفرٍ يبحث عنها ليهرب من وطنٍ تحوّل إلى مقبرةٍ للوعود. إن إعادة بناء هذا الهيكل المهدّم تتطلب ثورةً تربويةً ونفسيةً عميقة، تبدأ من تطهيرِ البيتِ والمدرسةِ من ازدواجية المعايير، وتمرّ بفرضِ عدالةٍ وقانونٍ يتساويان أمامه الجميع، لتدرك هذه الأجيال أن الثقة ليست ضعفًا بل هي أسمى تجليات القوة الإنسانية، وأنه لا قيامةَ لوطنٍ إذا ظلّ أبناؤه ينظرون إلى بعضهم بعضًا بعيون الذئاب المتربصة في عتمة الغاب.

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?