شكّل تطويب البطريرك الماروني إلياس الحويّك حدثاً مفصلياً في الشارع اللبناني عامةً والمسيحي خاصةً. غير أن بعض السطحيين من تجار السياسة حاولوا الخلط بين فضائل رجل الدين الأبديّة وعمل القائد الذي أسس وطناً. ومن هنا، تبرز الضرورة الملحة للتمييز بين بعدين متكاملين في حياة البطريرك الحويّك: الراعي القديس الذي أوصلته فضائله الروحية لمصاف المكرمين والطوباويين، والقائد التاريخي الذي أسهم في ولادة “لبنان الكبير”. فالخلط بين هذين البعدين لا يخدم الحقيقة، بل يسيء إلى كل منهما.
إن الكنيسة لا تُطوّب رجالها لأنهم انتصروا في السياسة، أو نجحوا في تأسيس دول، أو رسموا حدوداً جغرافية؛ بل لأنها ترى فيهم صورةً حيةً للإنجيل، وتجسيداً أعمق لفضائل الإيمان والرجاء والمحبة. ولذلك، جاء تطويب البطريرك الحويّك بعد استكمال المسار الكنسي الصارم، القائم على إثبات البطولة في ممارسة الفضائل، والاعتراف بأعجوبة تمت بشفاعته.
ومن اللافت والمصادِف رمزياً أن الأعجوبة التي فُتح بها باب التطويب ارتبطت بعسكري من الطائفة الدرزية الكريمة، في دلالة ساطعة على أن النعمة الإلهية والكنيسة لا تنظران إلى الانتماءات السياسية أو الطائفية، بل إلى فعل المحبة وعمل الروح وحده.
أما الحويّك رجل التاريخ، فذاك مسار آخر تماماً. لقد عاش في مرحلة استثنائية شهدت انهيار الدولة العثمانية وإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، فكان قائداً استثنائياً في ظروف مصيرية. وبصفته بطريركاً، حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع الزمني عن وجود جماعته ومستقبلها.
انطلاقاً من هذه المسؤولية الوطنية، قاد البطريرك الجهود الرامية إلى قيام كيان لبناني مستقر، يتمتع بالمقومات الاقتصادية والسياسية التي تضمن استمراره وقدرته على الحياة. وقد نجح في حمل هذا المشعل إلى مؤتمر السلام في باريس، حتى أُعلن رسمياً عن قيام “لبنان الكبير” عام 1920.
غير أن هذه الإنجازات السياسية والتاريخية المجيدة لا علاقة لها بمسار القداسة؛ فالكنيسة لم تمنح الحويّك لقب “الطوباوي” لأنه أسس دولة، كما أنها لا تسحب القداسة من أحد إذا اختلف المؤرخون حول خياراته أو قراراته السياسية لأن القداسة تُقاس بالأمانة الثابتة لله والبطولة في الفضيلة.أما السياسة تُقاس بنتائجها، وظروفها التاريخية، وتبدلات العصر.
لقد جسّد البطريرك إلياس الحويّك حضوراً مزدوجاً ومتكاملاً: قديساً في شرع الله، ورجل دولة في مسار التاريخ. الكنيسة طوّبت القديس والراعي، أما رجل الدولة فستبقى إنجازاته موضوعاً للحوار والتحليل بين المؤرخين والأجيال.
إن الفصل الواعي بين هاتين الشخصيتين لا ينتقص أبداً من مكانة البطريرك التاريخية، بل يمنح كل بعدٍ حقّه المستحق، ويحفظ للقداسة جوهرها الروحي، وللتاريخ حريته في النقاش والتحليل.























