“نلتقي قريباً”.
تلك كانت كلمة الشماس جورج صليبا خلال المقابلة التي أجرتها معه مجلة “المسيرة” رداً على سؤال حول آخر كلمة يوجهها إلى رفيق عمره ومسيرته الروحية البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير.
اليوم 3 آب 2026 تحققت أمنية “عمو جورج” (كما كان يحب أن يناديه الإعلاميون) وانتقل إلى أحضان الآب السماوي ليكمل مع البطريرك صفير مسيرة عمر بكامله كما على الأرض كذلك في السماء.
والمسيرة إذ تتوجه بالعزاء إلى عائلة الراحل الشماس جورج صليبا تُعيد نشر المقابلة التي أجرتها معه.
من أرشيف المسيرة العدد 1695
أيار 2019
الأحد 28 نيسان 2019، إنه يوم قيامة السيد المسيح من بين الأموات لدي الطوائف التي تتبع التقويم الغربي. الإستعدادات في الصرح البطريركي للإحتفال بالقداس الإلهي بدأت مع ساعات الصباح الأولى كما العادة. دقت أجراس الكنائس وبدأ القداس الذي يرأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بحضور رئيس الجمهورية وحشد من الوزراء والنواب وشخصيات وفاعليات. وحده وجه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير كان غائبًا عن تلك المشهدية بسبب رداءة الطقس والأمطار.
ذاك الأحد الكبير، لم يشارك الكاردينال صفير في القداس الإحتفالي لكنه صلى وتناول جسد ودم المسيح في الكابيلا التي اعتاد أن يصلي فيها صباح كل يوم مع رفيق عمره (عمو) جورج صليبا، ولم يدرك أنه سيكون أحد القيامة الحقيقية في مشوار عمره على الأرض.
انتهى القداس. الكل توجه إلى صالون الصرح لتهنئة البطريرك الراعي بعيد القيامة يتقدمهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. دخل الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وجلس في كرسيه إلى جانب البطريرك الراعي. تقبّل التهاني وسلم على المهنئين فردًا فردًا، من دون أن تبدو عليه أية علامات تعب أو تذمر أو إرهاق. كان كما حتى آخر لحظة من مشوار عمره على الأرض حاضراً برهبته ومؤمناً بقيامة المسيح من بين الأموات.
ذاك الأحد الكبير كان آخر أحد يشارك فيه بطريرك الإستقلال الثاني في احتفالات يوم قيامة الرب من بين الأموات. الثلثاء 30 نيسان لم يتوجه البطريرك صفير إلى الكابيلا ليصلي مع رفيق دربه جورج بسبب إصابته بالتهاب رئوي كما شخّص طبيبه الدكتور الياس صفير وأمر بنقله إلى مستشفى أوتيل ديو ليخرج منها محمولا على الأكتاف بنعش المجد والكرامة ومنها إلى أحضان أمه العذراء.
الثانية و45 دقيقة من فجر ذاك الأحد 12 أيار وتحديدًا قبل يومين من عيد ميلاده المئة سكتت دقات قلب بطريرك الإستقلال الثاني وطوى صفحات من كتاب مجد لبنان الذي كتبه على الأرض ليكمل فصوله في السماء مع الأبرار والقديسين. وحدها الساعات الأخيرة التي سبقت تلك اللحظة سيبقى صداها كما المذكرات التي لم تنشر فصولها إلا بعد عبوره إلى مجد السماء بحسب وصيته صادحًا في ذاكرة التاريخ.
البطريرك صفير قال ما قال وبقي الكثير من صمت من أعطيَ مجد لبنان على الأرض ليستكمل فصوله في السماء استقلالاً ثالثا.
بهدوء ووقار ارتقى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير عرش الصمت، هو الذي اعتنق صمت النساك في مملكته على الأرض، لكن متى تكلم كان يدحرج حجرًا ما في المشهد السياسي. ذاك اليوم، يوم وداعه خرج عن صمته وهتفت جحافل الناس التي تقاطرت لإلقاء النظرة الأخيرة عليه بكلماته، وغرفت عظة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وبرقيات التعزية ما قيل وسيقال في سيرة الكاهن الذي لم يتعب من خدمة المسيح الذي اختاره يومًا ليكون تلميذاً له ويحمل معه صليب مسيحيي لبنان والشرق.
جورج صليبا: منلتقي قريبا
منذ دخوله الجناح الذي شغله البطريرك الراحل مار أنطونيوس بطرس خريش بعد تقديم استقالته في العام 2011 تغيّرت سطور يوميات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أقله في المسائل البروتوكولية والمواعيد التي كان يتولاها الأب الراحل ميشال العويط بالتنسيق مع رفيق عمره جورج صليبا. لكن نمط حياة الكاهن المتقشف الذي اعتنق البساطة والروحانية استمرت حتى لحظة عبوره إلى مجد السماء. “السادسة صباحا كان يبدأ نهار البطريرك صفير ويستعد للقداس اليومي في الكابيلا ومنكون وحدنا. أحياناً كان يكون في بعض الأصدقاء وتحديدًا الأستاذ خطار حدثي وأختو الست ميلاني. بس من زمان ما عاد حدا يشاركنا القداس” يقول الشماس جورج صليبا رفيق عمر البطريرك صفير وسند أيامه. يصمت كما العادة فالكلمات المؤطرة بالدموع بالكاد تخرج من فمه الذي اعتاد على صمت الناسك الأكبر.” كان رفيق عمري، لم يتذمر يوما… راح إفقدلو كتير وما بعرف كيف راح كمل الإيام القليلة اللي باقيتلي”.
برنامج حياة بطريرك الإستقلال الثاني لم يتغيّر من لحظة دخوله جناحه الخاص في الصرح البطريركي في بكركي. بعد القداس الصباحي كان غبطته ينتقل مع رفيق دربه جورج إلى قاعة الطعام لتناول الترويقة ثم ينصرف إلى قراءة الصحف والمجلات خصوصا مجلة “المسيرة” “كان يفلّيا صفحة صفحة… لكنه لم يعد يهتم في مواضيع السياسية. خلص. بيكفي اللي عملو… حتى في مجالسه الخاصة والمغلقة لم يعد يتطرق إلى السياسة. سيدنا قرر أن يرتاح وسلم الأمانة إلى الخلف”.


بعد عامين على دخول البطريرك صفير جناحه الخاص في بكركي خفّت حركة الزوار باستثناء بعض رجال السياسة المقربين جدا منه والأصدقاء وشقيقته ميلاني التي دأبت على زيارته. أما الزوار العابرون فكانوا يمرون إلى جناحه لإلقاء التحية والسلام فقط. “ولو أردنا أن نفتح باب الزيارات لامتدت حتى ساعة متأخرة من الليل. محبوه كانوا كثرا وكانوا يسألون عنه دائما….”
شطحات العمر لم تثنِ البطريرك صفير عن شغفه في قراءة الكتب الدينية والإنجيل الذي كان يلازمه مع المسبحة ويروي جورج بما توافر من ذكريات: “كان يقرأ المراسلات وينصرف إلى الكتابة على الكومبيوتر وتصفح صفحات المواقع على الإنترنت بعد قيلولة الغذاء التي تمتد حتى الخامسة عصرا. لكنه منذ حوالى ثلاثة أعوام لم يعد يقرأ كثيرا في الكتب وكان يكتفي في قراءة الصحف وبعض المجلات خصوصا مجلة “المسيرة”. وكان يسألني عن بعض الصحافيين… حتى الجلوس أمام الإنترنت بات شبه نادر وأذكر كيف تابع تفاصيل تقديس البابوين يوحنا بولس الثاني ويوحنا السادس والعشرون بشغف وتأمل ورجاء، وكان مغتبطاً وفرحاً بهذا العرس السماوي. كان مثالاً للتقوى والقداسة والوطنية وبطريركاً لكل اللبنانيين وحارس الوطن بجناحيه”.
وحدها هواية المشي لم يتخل عنها غبطته. يقولها الشماس جورج ويكرر ذلك بإصرار. كان يتحدى ثقل السنين وكل التسريبات التي كانت تحاك حوله لجهة عجزه عن القيام برياضة المشي. “كان يمشي بمعدل مرتين يوميا بس مش لأكتر من نصف ساعة حول البطريركية ليعود بعدها إما إلى جناحه أو إلى الكابيلا للصلاة. ثم يدخل إلى جناحه وينصرف إلى قراءة الإنجيل أو التأمل”.
الثامنة مساء كان يقفل البطريرك صفير باب جناحه ليخلد إلى النوم.عندها فقط يدخل الشماس جورج غرفته ليتلو بدوره صلاة المساء وينام بعدما يتأكد أن غبطته صار في سريره ولن يحتاج إليه.
عندما حدد البطريرك صفير اليوم والساعة التي يقدم فيها استقالته كان الشماس جورج صليبا يجلس إلى جانبه. دمعت عيناه علما انه كان يدرك سلفا بما يفكر “سيدنا”. كان يعلم أن رفيق دربه ألح على قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر في اللقاء الذي جمعه بعد يومين على تثبيت تمثال مار مارون في الفاتيكان في 24 شباط 2011 لقبول الإستقالة والحد من الكلام الذي كان يدور في الكواليس ومنه ما نشر على صفحات الجرائد. لكن “عمو جورج” حافظ على رباطة جأشه ورفض حتى التكلم عن التسريبات والتأويلات. بقي صلبًا وصامدًا وأميناً على كل ما كان يدور بينه وبين أخيه الروحي. “أراد أن يحدد موعد استقالته بنفسه لا ان يقررها عنه آخرون. أصر أن يكون الراعي والشاهد على خلفه لا شاهد زور على إرادة الروح القدس التي استلهمها في مسيرته التاريخية…
البعض فكر أن رفيق الدرب سيضع نقطة لمشوار العمر عندما كتب البطريرك صفير استقالته ودخل الجناح الذي سكنه سلفه البطريك خريش بعد تقديم استقالته لمدة 8 أعوام بوعي وإرادة. لكن رهانهم سقط على أبواب تلك الخيوط السماوية التي تربط بينهما. بقي عمو جورج يرافق غبطته في تفاصيل مشوار عمره، ويشاركه القداديس اليومية في الكابيلا الخاصة ويحمل محفظته ومعطفه بعدما سلم عصاه لراعي الصرح الجديد البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. وحتى اللحظة الأخيرة بقي حافظ أسرار البطريرك ورفيق رحلة عمر لأكثر من نصف قرن، رحلة مليئة بالمحطات المفرحة والمحزنة معا، لكنها أيضا كانت مليئة بالروح القدس وإرادة الله التي يتكل عليها غبطته دائما”.
“خلص الحكي عن سيدنا”؟ يغص رفيق مشوار عمره ويختم: “البطرك صفير راح يبقى معي متل ما راح يكون حارس لبنان وكل اللبنانيي من السما… وآخر كلمة قلتللو ياها قبل ما يسكروا النعش… منلتقى قريبا”.
































