المسيرة- كم صورةً على جدران بيوتنا تحمل شريطًا أسود؟ وكم غائبًا اختصرناه بصورة، وذكرى، وحكاية نرويها كل عام، ثم مضينا في حياتنا كأنّ الغياب قد صار أمرًا عاديًّا؟ يخاف الإنسان من غدٍ لم يأتِ بعد، لأنّه يحمل المجهول؛ والمجهول، في وعيه، كثيرًا ما يكون وجهًا آخر للتهديد. فنحن نطمئنّ إلى ما نعرفه، حتّى لو كان مؤلمًا، أكثر ممّا نطمئنّ إلى ما لا نعرفه.
لذلك قد يفضّل الإنسان ألم اليوم على احتمال غدٍ مجهول، لأنّ المعلوم، مهما كان قاسيًا، يبدو أقلّ خوفًا من المجهول.
لكنّ بعض الناس يتجاوزون هذا الخوف. يتصالحون مع غدهم، لا لأنّهم يعرفون ما ينتظرهم، بل لأنّهم يعرفون لماذا يمضون.
وحين يجد الإنسان معنىً يستحقّ أن يعيش من أجله، يصبح مستعدًّا لأن يدفع ثمنه؛ بالعطاء، وبالتضحية، وأحيانًا ببذل الحياة نفسها.
هؤلاء لا يرحلون تمامًا. نحن نسمّيهم شهداء، ونستحضر أسماءهم، ونضع صورهم على الجدران، ونروي حكاياتهم.
لكنّ المفارقة أنّنا نحبّ تضحياتهم أكثر ممّا نحبّ الطريق الذي قاد إليها. نريد مجد الشهادة، ولا نريد ألمها. نريد أن نتحدّث عن العطاء، ولا نريد دائمًا أن ندفع ثمنه. نريد النُّور الذي تركوه، لكنّنا نتردّد أمام الطريق الذي سلكوه.
ومع ذلك، يبقى حضورهم غريبًا في حياتنا. غابوا عن أعيننا، لكنّهم لم يغيبوا عن معنى حياتنا. كأنّ موتهم لم يكن إغلاقًا لحكايتهم، بل انتقالًا لها من حياتهم إلى حياتنا.
لم يكن استشهادهم انتصارًا للموت، بل عبورًا إلى الحياة. وما بذلوه لم ينتهِ بانتهاء أجسادهم، لأنّ الإنسان قد يغيب، بينما يبقى أثره حيًّا في الآخرين.
وهنا لا يعود السؤال كم سنعيش؟ بل ماذا سيبقى منّا حين لا نعود هنا؟
قد يعيش الإنسان سنوات طويلة، ثم يرحل ولا يترك وراءه إلا فراغًا. وقد يرحل آخر باكرًا، لكنّه يترك من النُّور ما يكفي ليضيء حياة أجيال.
لذلك ليست قيمة الحياة بعدد سنواتها، بل بما نضعه فيها من معنى. والشهادة، في أعمق معانيها، ليست بحثًا عن الموت، بل أمانة للحياة والحقّ. ليست أن يطلب الإنسان نهايته، بل أن يكون مستعدًّا ألّا يخون ما آمن به عندما يصبح ثمن الأمانة باهظًا.
لهذا، فالشهداء لا يريدون منا البكاء والرثاء فقط هم يريدوننا أن نسأل: ماذا فعلنا بالنُّور الذي تركوه لنا؟
فربّما كانت ذكرى الشهداء، في معناها الأعمق، ليست ذكرى لهم وحدهم، بل لنا نحن الأحياء؛ لأنّه يعيدنا إلى السؤال الذي نهرب منه كثيرًا هل نحن أحياء حقًّا، أم أنّنا نؤجّل الحياة إلى أن ينتهي الخوف؟
هم صاروا في النُّور، ونحن ما زلنا في الطريق. لكنّ الطريق ليس أن نبحث عن الموت، بل أن نتعلّم كيف نحيا حياةً تستحقّ أن تُعطى. أن نحيا للحقّ حين يكون الصمت أسهل. أن نعطي حين يكون الأخذ أكثر راحة. أن نقف إلى جانب المظلوم حين تكون مصلحتنا في الابتعاد. وأن نحافظ على الوطن حين يصبح الوطن، في أذهان البعض، مجرّد شعار على الجدار.
فالشهداء أعطوا حياتهم للوطن، أمّا نحن فعلينا أن نعطي الوطن حياة. وهنا تبدأ مسؤوليتنا. لا يكفي أن نضع صورهم على الجدران، ولا أن نرفع أسماءهم في المناسبات، ولا أن نتحدّث طويلًا عن تضحياتهم.
إن كنّا نريد أن يكون غيابهم حضورًا، فعلينا أن نحوّل تضحياتهم إلى حياة.
نحن الأحياء وأنوار الشهداء معًا، نبني لبنان المستقبل؛ لبنان الذي لا تحكمه الذكريات وحدها، ولا تستمرّ فيه التضحيات من جيل إلى جيل، بل لبنان الذي تتحوّل فيه تلك التضحيات إلى دولة.
دولة يحكمها القانون، وتصونها المؤسسات، ويحميها الجيش والقوى الأمنية، ويكون فيها القضاء مستقلًّا، والعدل حقًّا لكلّ مواطن، لا امتيازًا لمن يملك القوة أو النفوذ.
فإذا كان الشهيد قد بذل حياته من أجل الوطن، أفلا يكون أقلّ ما نقدّمه له أن نبني وطنًا لا تضيع فيه حياة، ولا يُهدر فيه حقّ، ولا يُظلَم فيه إنسان؟
عندها فقط يصبح موت الشهيد حاملًا للحياة فينا. وعندها لا تعود شهادته مجرّد ذكرى نحييها كلّ عام، بل تصبح مسؤولية نحياها كلّ يوم. فالشهيد لم يترك لنا صورته فقط. ترك لنا سؤالًا. وترك لنا نورًا. وترك لنا وطنًا. وينتظر منّا أن نكون جديرين بما أعطاه.
وحتى لا يبقى غيابه مجرّد ذكرى وصورة على الحائط، المطلوب أن نجعل من النُّور الذي تركه حياةً فينا، ومن حياته وطنًا من بعده.























