بقلم الدكتور طوني بدر:
يحمل تكرار انتصارات القوات اللبنانية في الانتخابات الطلابية دلالة تتجاوز نتائج يوم انتخابي. فحين يتجدد الفوز، ويبلغ في بعض الساحات حد الاكتساح، حتى في ظل النسبية أو نظام الصوت الواحد، يصبح المشهد تعبيراً عن علاقة متينة بين مشروع سياسي وجيل يخطو خطواته الأولى في الحياة العامة. وفي هذه العلاقة ما يستحق قراءة أعمق، تتناول معنى الثقة التي يمنحها الشباب، وما تكشفه عن مستقبل الحزب الذي يختارونه.
يمكن فهم هذا الفوز المتكرر بوصفه، في دلالته الأساسية، استفتاءً سياسياً على مشروع القوات اللبنانية في هذه الساحات. تبقى للعوامل الشخصية والتنظيمية والإدارية أهميتها، ولهوية المرشحين وكفاءتهم وعلاقاتهم أثرها، كما يبقى للعمل المتواصل الذي تقوم به الخلايا والمجموعات الطلابية موقعه الأساسي في صناعة النجاح. فهذا الجهد يمنح المشروع السياسي حضوراً يومياً، ويحوّل الاقتناع به إلى علاقة مباشرة مع الطلاب.
وتكتسب هذه القراءة وزناً إضافياً حين تتصل بما أظهرته الاستحقاقات السابقة من تقدم نيابي للقوات وتثبيت لحضورها البلدي. فالتقاطع بين نتائج ساحات مختلفة، لكل منها خصوصيتها، يتيح فهم الانتصارات الطلابية ضمن مسار أوسع من الثقة، ويمنحها أهمية تتجاوز حدود الجامعة إلى اتجاهات الحياة السياسية والاجتماعية.
لكن ما يمنح المشهد عمقه الحقيقي هو هوية الجيل الذي يصنع هذه الانتصارات. فهؤلاء الشبان والشابات لم يعيشوا نشأة القوات، ولا الظروف التي صنعت وجدان الأجيال الأولى فيها. تعرّفوا إلى تاريخها من مسافة زمنية، ووجدوا أنفسهم أمام أسئلة الحاضر وتحدياته. ولذلك، فإن اختيارهم لها يحمل معنى مهماً: أن يجد مشروع نشأ في زمن سابق أسباباً جديدة للحياة في وعي جيل آخر. وأهمية هذا التأييد انه ليس ظرفيًا أو محليًا، بل هو عابر للطبقات الاجتماعية والمناطقية، ويتكرر مع أفواج تدخل الجامعة وتتخرج منها.
يأتي بعضهم إلى «القوات» بخيار شخصي تكوّن عبر المتابعة والتجربة والاقتناع، ويأتي بعضهم الآخر بانتماء ورثه من البيت والعائلة والمحيط. ولكل من هذين المسارين قيمته. فحتى الانتماء الموروث يدخل في الجامعة مرحلة جديدة؛ يلتقي صاحبه أفكاراً مختلفة، ويواجه أسئلة واعتراضات، ويقارن بين ما سمعه وما يراه، وبين الصورة التي حملها عن الحزب وتجربته الفعلية معه.
هناك يخضع الموروث للاختبار. وحين يجد الشاب في التجربة ما يعمّق اقتناعه، يصبح انتماؤه أكثر اتصالاً بذاته. يستطيع أن يشرح أسبابه ويدافع عنها، ويمنحه معنى نابعاً من حياته هو. هكذا يُصقل الانتماء، وتتحول الذاكرة التي انتقلت عبر الأسرة إلى قناعة تتحمل النقاش وتستند إلى تجربة. وهذه من أهم صور التجدد التي تستطيع مؤسسة سياسية تحقيقها.
وللعاطفة مكان عميق في هذه العلاقة. فالانتماء في هذه المرحلة العمرية يتصل بالبحث عن الذات، وبالحاجة إلى الشعور بأن للحياة معنى وللمشاركة أثراً. وقد يجد الشاب في القوات مساحة يلتقي فيها اعتزازه بهويته مع رغبته في التأثير، وقلقه على لبنان مع الأمل بإمكان تغييره. تصبح القضية جزءاً من تجربته، ويصبح نجاح الجماعة التي اختارها مناسبة يشعر فيها بأن صوته وجهده يصنعان فرقاً.
ولثبات القوات على جوهر مشروعها مكان أساسي في هذه الثقة. فالوضوح يمنح العلاقة السياسية استقراراً، ويتيح للشاب أن يفهم إلى أين يتجه الحزب الذي يؤيده، وعلى أي أساس يبني خياراته. وفي زمن تتكاثر فيه التحولات ويثقل فيه القلق على المستقبل، يستطيع هذا الثبات أن يمنح الانتماء معنى الاطمئنان إلى وجهة يمكن التعرف إليها والرهان عليها.
وتكتسب هذه الصورة صدقيتها الأقرب من خلال القواتيين أنفسهم داخل الجامعة. فالطالب يرى زميله قبل أن يقرأ البيان، ويختبر سلوكه قبل أن يحكم على الشعار. وحين يجد فيه جدية في العمل، واحتراماً للآخرين، واستعداداً للمساعدة، وحسن تمثيل لمطالب زملائه، تصبح الفكرة السياسية تجربة إنسانية قريبة. ومن خلال هذه العلاقات اليومية، تبني الخلايا الطلابية جزءاً أساسياً من الثقة بالحزب.
هنا تظهر قيمة العمل الذي يسبق الانتخابات ويستمر بعدها. فالجهد المتراكم في متابعة شؤون الطلاب، وتنظيم النشاطات، والحضور إلى جانبهم، يمنح التأييد جذوراً في الحياة الجامعية. ويحمل الفوز، بهذا المعنى، تقديراً لمشروع سياسي ولأشخاص أعطوه من وقتهم وطاقتهم، وجعلوا له حضوراً محسوساً بين زملائهم.
إن الأحزاب تحتاج إلى الشباب كي يستمر مشروعها حياً وقادراً على التطور. فالتاريخ يمنحها جذوراً، والشباب يفتحون أمامها آفاقاً جديدة. يدخلون إليها بأسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها، وبخبرات ولغة واهتمامات مختلفة، ويحملون مشروعها إلى ميادين تتغير باستمرار. ويظهر التجدد حين تجد أفكارهم مكاناً داخل المؤسسة، وحين يشعرون بأنهم شركاء في صنع مستقبلها.
من هذه الزاوية، يكتسب القول إن مستقبل القوات بأيدٍ أمينة معناه. فهذه الانتصارات تكشف وجود جيل مستعد لحمل المشروع، والعمل من أجله، ومنحه طاقته وأفكاره. جيل يدخل الحياة العامة باسم «القوات»، ثم يحمل تجربته إلى المهنة والمجتمع والمؤسسات، فتتسع معه مساحة حضورها وتستمر عبره قضيتها.
وتبقى القيمة الأعمق لهذه الثقة في الآمال التي تحملها. فالشباب يضعون في اختيارهم شيئاً من صورتهم عن الغد، ومن رغبتهم في وطن يستحق أن يبنوا حياتهم فيه. وأن تبقى «القوات» على قدر هذه الآمال والتطلعات هو المعنى الذي يمنح الفوز امتداده الحقيقي.
حين يتجدد هذا اللقاء بين قضية وجيل، يصبح المستقبل أقرب إلى الاطمئنان. فالحزب الذي يجد من الشباب من يختاره، ويختبر انتماءه إليه، ثم يحمله باقتناع وشغف، يمتلك أسباباً عميقة للاستمرار. وفي المشهد الطلابي القواتي ما يقول إن القضية ما زالت قادرة على أن تسكن وجدان أجيال جديدة، وإن الأيدي التي تتسلمها تحمل معها إرادة إبقائها حية.























