الشهادة فعل إيمان مقدس

عندما يصبح السلاح خدمة لإيديولوجيا وعقيدة

الفرق جوهري بين السلاح كوسيلة لحماية الدولة والشعب والسيادة، والسلاح كأداة لفرض إيديولوجيا أو مشروع سياسي–ديني منبثق من فكر انعزاليّ يتقوقع في قمقم الدِّين والمذهبيّة خدمةً لأهداف لا تمتّ إلى تكوين الدّول بأيّة صلة. وفي هذه الحالة يصبح السلاح متلازمًا مع الإيديولوجيا وتتحوّل الشهادة من فعل مقدّس للدّفاع عن الوطن وسيادته وكرامة أبنائه إلى فعل إيمانٍ بفكر عقائديٍّ لا يرتبط بفكرة الوطن الفلسفيّة ووجوديّته. فكيف تصبح البندقية في خدمة «الفكرة» أو «المذهب» بدل خدمة الوطن؟ وما هو دور العقيدة المغلقة في تبرير العنف خارج إطار الدولة؟

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

عندما تصبح كرامة أبناء الوطن مرتبطة بالسلاح الذي يدافع عن الإيديولوجيا بالدّفاع عن الوطن، يتمزّق النّسيج الوطني، ويتحوّل الصراع من حالة الدّفاع عن الحدود أو درء الخطر الآتي، إلى حالة صراع دمويّ بين أبناء هذا الوطن. إلّا إذا كان هذا الوطن وطنًا عنصريًّا لا تعدّديّة فيه. وهذه الحالة العنصريّة لا تنطبق على الواقع اللبناني لأنّ الفكرة الفلسفيّة التي قام على أساسها لبنان هي تلك الكيانيّة اللبنانيّة التي تحتوي التنوّع في الوحدة، في صيغة سياسيّة تدير هذه الوحدة في التنوّع.
هذا ما أدّى في صلب المجتمع اللبناني إلى بروز إنقسام عموديّ بين المكوّنات الحضاريّة فيه. يكفي أن نستذكر تحوّل السلاح من وسيلة حماية الدولة إلى امتدادٍ إيديولوجي في أيدي جماعات مسلحة. من الأمثلة البارزة ميليشيات مثل:
طلائع جيش المعني أو ما عُرف بين سنتي 1976 و1978 بحركة الجهاد الدّرزي والتي كانت ميليشيا درزية قصيرة العمر خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية. ظهرت نتيجة إنقسام داخل القوات الدرزية، تبنّت خطًا سياسيًا يمينيًا ودرزيًا، وشاركت في الحرب إلى جانب تحالف اليمين اللبناني ضدّ القوى اليساريّة والفلسطينيّة. ترأسها شخصيّات درزية معروفة مثل فريد حمادة، رؤوف عبد السلام، ووجيه عبد السلام، وكان مقرّها في قضاء الشوف.
حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) هي حركة سياسية وعسكرية لبنانية شيعية، تأسست رسميًا عام 1975 على يد الإمام موسى الصدر تحت إسم أفواج المقاومة اللبنانية – أمل كامتداد لـلمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي أسسه الإمام الصدر عام 1969 للمطالبة بحقوق الطائفة الشيعية في لبنان. ما عبّر عنه الإمام الصدر بحقوق المحرومين في الجنوب والبقاع.
منظمة الجهاد الاسلامي، وهي جماعة شيعية نفّذت عمليات خطف وتفجيرات ضدّ القوات المُحيطة واعتُبرت إحدى البدايات لتأسيس «حزب الله» فعليًا، كانت مجموعة مسلحة إسلامية شيعية ظهرت في أوائل الثمانينات تحت شعار مقاومة الإحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وعملت بهدي الثورة الإسلامية الإيرانية. نسبت إليها بعض الهجمات ضد قوات أميركية وفرنسية وإسرائيلية، وأحيانًا كانت إسمًا يستخدمه ناشطون مرتبطون بـ «حزب الله» في بداياته لإخفاء هويتهم. واشتهرت عالميًّا بعد تبنيها لعمليات تفجير مقر المارينز الأميركي في بيروت (1983) وعمليات خطف رهائن غربيين. لتتحوّل لاحقًا إلى منظّمة «حزب الله» التي أعلنت جهارًا انتماءها إلى الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. واعتناقها عقيدة ولاية الفقيه الدينيّة.
إنّ وجود هذه الميليشيات أدّى إلى إضعاف الدّولة ومؤسّساتها، ولا سيّما أنّ المحور السوري – الإيراني الذي أدار هذه التنظيمات قد نجح بزرعها في صلب مؤسسات الدّولة العميقة. وهذا ما أدّى بدوره إلى بناء منظومة من المحاصصة والزبائنيّة والإستزلام القائمة على تقديم الطاعة لهذا المحور، نتج عنها إهتراءً لم تشهد له دول العالم أيّ مثيل.
ولم يكن باستطاعة هذا المحور النّجاح في سيطرته على الدّولة العميقة إلّا عبر تقويض احتكار الدولة للقوة الشرعية، فضعف الاقتصاد الحرّ وصارت البلاد كلّها في عزلة دوليّة نتيجة لحركة معاداة للعرب ودول الغرب. وهذا ما أنتج بدوره «ثقافة الشهادة» لأجل العقيدة التي لم تكن معروفة داخل المجتمع اللبناني، وقوامها تربية أجيال ترى أن الموت في سبيل الحزب أو المذهب أسمى من الموت دفاعًا عن الوطن. ولا يمكن لهذه الثقافة الإستشهاديّة المستدَامَة أن تترافق مع إزدواجيّة في الوطن.

إستعادة البوصلة الوطنية
هذا ما حتّم علينا كلبنانيين مجتمعين تحت سقف الدّولة العمل لإعادة تعريف مفهوم السلاح كأداة وطنيّة لا عقائديّة. وهذا ما بدأته دولة الطائف الفتيّة يوم أقرّت في 28 آذار 1991 بحلّ التنظيمات المسلّحة، ووضع السلاح حصريًّا في يد الدولة، مع ضوابط قانونيّة واضحة. وهذا ما رفضته منظّمة «حزب الله» وكلّ الفصائل اللبنانيّة وغير اللبنانيّة التي كانت تديرها تحت مسمّى «المقاومة» التي كنّتها بالمقاومة الإسلاميّة في لبنان، متّخذة من البندقيّة رمزًا لها مع تغييب الأرزة اللبنانيّة من علمها في دلالة رمزيّة واضحة على البعد الإيديولوجي لفكرة المقاوِمَة.
عملية بناء ما هدّمته الإيديولوجيا على قاعدة الفكر الوطني تحتاج لإصلاح الوعي الجماعي في الوطن. وهذا الوعي لا يقوم على الفكر الازدواجي بين الايديولوجيا والوطن. فزمن الإيديولوجيّات قد ولّى إلى غير رجعة، خصوصًا في زمن الذكاء الإصطناعي حيث تمّ محو الحدود ودكّ السدود بين الشعوب. وهذا ما يحتّم علينا ضرورة تعزيز التربية الوطنية على قيم المواطنة الجامعة. وهنا يقع هذا الدّور على عاتق المؤسسات التربويّة التي يجب أن تحمل خطابًا دينيًّا –ثقافيًّا يبني الفكر على المدنيّة – المؤسّساتيّة ويربط الكرامة والسيادة بالإنتماء للوطن لا للمذهب أو للإيديولوجيا.
وهذه المسألة ليست غريبة عن دستورنا اللبناني الذي يتبنّى فكرة الدّولة المدنيّة. لكنّ العبرة كانت بالتنفيذ الذي لم يطبّق منه أيّ شيء. وعندما قرّرت الحكومة اللبنانيّة استعادة المبادرة السياديّة في جلستي الخامس والسابع من شهر آب الماضي تمّت مهاجمتها وتخوين أركانها.

البدائل والمقارنات الدولية لإعادة البوصلة الوطنية
ليس لبنان الدولة الوحيدة التي تعاني من هذه الازدواجيّة، التي نتج عنها تضارب في مفاهيم الشهادة ما بين الإيديولوجيا أم الوطن. يكفي مثلًا استعادة تجربتي البوسنة والهرسك، وأيرلندا الشماليّة حيث ترافق السلام مع تنفيذ عمليّات نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، بغضّ النّظر عن أنّ عمليّة التعايش المجتمعي في زمن ما بعد الإنقسام كانت حادّة وطويلة ومعقّدة.
في لبنان، خضنا التجربة، لكنّ الإستثناء الذي مورس بسبب الإحتلال السوري في تسعينات القرن الماضي، واستُكمِلَ في زمن ما بعد ثورة الأرز 2005 هو الذي منع إعادة بناء الدّولة والمؤسّسات على قاعدة المواطَنَة الجامعة. بل ظلّ لبنان ما بعد الطائف وطنا مجزّأ طائفيًّا كنتيجة لتغليب الفكر الإيديولوجي على الفكر الوطني.
من هنا أهمية الإلتزام بقرارات الخامس والسابع من آب لتعزيز سلطة الدّولة الشرعيّة والقانون التي تشكل الضامن للبنانيين كلّهم على اختلاف انتماءاتهم الحضارية. على أن يتزامن ذلك مع برامج مصالحة شاملة من خلال تثبيت مفاهيم الوطنيّة من جديد في النّظام التربوي الموعود، وإقفال كلّ مؤسّسة تربويّة، مهما كان انتماؤها أو مرجعها، تعمل على تنشئة الأجيال على ثقافة الإستشهاد العقائدي وتبني أجيالاً تؤثِر ثقافة الموت على الحياة.

حكاية صورة

إليك الورد

يوم الرحيل

21 نيسان

مشكلتهم أنه كان يعلم

مايا

whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?