لم تكن زيارة البابا لاوون الرابع عشر مجرد محطة بروتوكولية. كانت صرخة راعٍ صالحٍ يخشى على مستقبل كل إنسان، بغضّ النظر عن لونه ودينه وعقيدته وانتمائه. كانت محاولة أخيرة لإنقاذ وطن يتأرجح على حافة نارٍ تتّقد تحت رماد صراعات متراكمة.
وبعيداً من الزيارات الرسمية والبروتوكولات الحكومية، اكتسبت الزيارة معناها الحقيقي منذ لحظة لقاء “شربل” في عنايا، مروراً بعناق المهمّشين الحقيقيين في دير الصليب، وصولاً إلى مصافحة المظلومين والثكالى من أهالي ضحايا المرفأ.
مشى لاوون على الطريق ذاتها التي مشى عليها المسيح: «كنت غريباً فآويتموني… عرياناً فكسوتموني… مريضاً فزرتموني»، ثم ختم زيارته بكلمة تختصر كل الرسائل:«سلامي أعطيكم».
لكن السؤال المعلّق فوق رؤوس اللبنانيين يبقى: لاوون أعطى السلام… فهل قلوب الجميع حرةٌ وجاهزةٌ للحب والسلام؟
دموع البابا وتأثره لم تكن لحظة عابرة، بل وصايا مُلزمة لبلد يسير نحو جحيم صراع آلهة مجنونة تُحرّكها عواطف الحقد الآتية من أعماق التاريخ. فالصراع على “احتكار الله”، بوجوهه السياسية والعسكرية، يهيمن اليوم على المنطقة. وعربات النار التي تحدّثت عنها الأساطير تُستنسخ بلغة جديدة:صراع على النفوذ، صراع محاور، وشعوب تُقدَّم قرابين على مذابح أوثان المصالح الكبرى.
كانت زيارة البابا محاولةً لزرع بوصلة أخلاقية في زمن ضاعت فيه البوصلات، ونُفيت فيه الأخلاق والقيم والإنسانية.
ولكن: من سيلتقط الرسائل؟ ومن سيعمل بها قبل أن يجرفنا جحيم لا يرحم؟
على عكس زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، كشفت الزيارة الأخيرة واقعاً مسيحياً غير مستقر. فقد بدا غياب الهدف والرؤية واضحاً داخل الجسم الكنسي، وبلغ ذروته في لقاء الكهنة ورجال الدين، حيث حاول المنظّمون، نتيجة ارتباك فكري وغياب استراتيجية واضحة، تقديم صورة لا تشبه الواقع، وهواجس لا تشبه هواجسنا.
صحيح أن قضايا تهجير السوريين والتهجير الشيعي ومشاكل الجالية الفيلبينية قضايا إنسانية حقيقية، لكنها لا تمثل الجوهر العميق لمعاناة المسيحيين في لبنان.
هل أخبر أحدٌ البابا عن صمود المسيحيين في قراهم الجنوبية ؟
هل حدّثه أحد عن القرى المسيحية الحدودية التي وجدت نفسها محاصرة بين نيران القصف المتبادل بين “حزب الله” وإسرائيل، ومع ذلك رفض أهلها ترك بيوتهم، متمسّكين بأرض ليست مجرد تراب، بل هوية؟
هل أخبره أحد أنهم يعيشون حرباً فُرضت عليهم، وأن صمودهم لا يظهر في نشرات الأخبار ولا يناقَش في الصالونات السياسية؟
وهل أخبره أحد عن أرملةٍ عاجزةٍ عن إطعام أطفالها بعدما صادرت المصارف تعويضات زوجها؟
أو عن شبابٍ بات حلمهم الوحيد هو الهجرة من أرض أجدادهم؟
أو عن شعبٍ يعيش يومياً درب الجلجلة، حتى غدت حياته جلجلةً تشبه أسطورة سيزيف… من دون قيامة ولا نهاية؟
على الرغم من أن المنظمين حاولوا تجميل واقعنا المر كما حاولت دولتنا إخفاء الجور من طرقنا المتهالكة ولكن لا بأس، تحدث البابا بلسان العالم بكل مصائبنا والمدرك لعمق مأساتنا، والدليل كلماته المحكمة، المنسوجة في مواضعها بدقّة، والتي كشفت بوضوح أنه يعرف لبنان جيدًا، ويعرف واقعنا أكثر مما يعرفه كثيرون ممّن سمعهم. لقد نطق بكلمة السلام كأستاذٍ يكرّر درسه خمسين مرة، لا ليُحفظ فقط، بل ليُعمل به.
من جهة أخرى هل تكفي مشاركة الأطفال المنتمين إلى “كشافة المهدي” لتحسين الصورة الوطنية، بينما ينشغل آباؤهم على وسائل التواصل بالتهديد والوعيد ضد شركائهم في الوطن كلما تجرأ أحدٌ على مناقشة “السلاح المقدّس”؟ هل يكفي منظر الاطفال الأبرياء المسيرين بالتكليف الشرعي لتجميل منظر أهلهم الذين يصرخون السلاح مقدس ولبيك خامنئي؟
وهل تكفي كلمات الشيخ الخطيب:«لسنا هواة حمل سلاح، ونضع قضية لبنان بين أيديكم لعلّ العالم يساعد بلدنا على الخلاص»لتصحيح المسار، فيما تُغرق المنابر بخطابات التهديد وقطع الأيادي ومهاجمة كل من يشير إلى صنم السلاح؟
سيبقى كلام الشيخ الخطيب وصور كشّافة المهدي مجرّد فلكلور لبناني عابر لا يحمل قيمة جوهرية، ما دام القرار الفعلي مرتهناً لتوجيهات النظام الإيراني. كما ستظلّ البيئة الحزبية المهيمنة تتجاهل حقيقة موثّقة كشفها الباحث سعود المولى: إذ إنّ الإمام محمد مهدي شمس الدين عارض منذ البداية إنشاء «حزب الله» وتطبيق نظرية ولاية الفقيه في لبنان، محذّراً من أنّ هذا المسار سيجرّ الخراب على الشيعة أولاً قبل غيرهم.
ولا تقف المسألة عند شمس الدين؛ فوصايا المرجع السيد علي السيستاني، الذي شدّد مراراً على خطورة العبث بمصير الشيعة في لبنان، تُهمل بالكامل. وكذلك تُهمل تعاليم الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة : “كَرِهْتُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا لَعَّانِينَ شَتَّامِينَ..”، ومبادئ الإمام موسى الصدر القائمة على الشراكة الوطنية والعدل. ويغيب أيضاً إرث الإمام محمد مهدي شمس الدين نفسه، الذي رفض استخدام اسم الله في أي مشروع حزبي أو فئوي.
السلام لا يُبنى على الرموز والكلمات والتصريحات والخطابات، بل على صدق النوايا وجرأة مواجهة الحقائق، وإرادة حرة لا تخضع لوصاية أحد.
صحيح أن البابا ترك للبنانيين سلامه.
لكن السلام، «لا يُعطى لمن لا يريده» وكما قال القديس أغسطينوس:”إن الله لا يُعطي إلا من يسأله، ولا يُفتح له إلا من يقرع”.
فهل يريد جميع اللبنانيين السلام فعلاً؟
وهل هم مستعدّون للتخلي عن أوهام الإمبراطوريات، وعن وهم القوة القادم من خلف الحدود، حفاظاً على دماء أبنائهم؟
السلام هدية سماوية،لكن الأرض يجب أن تكون جاهزة لاستقبالها.
فهل نحن جاهزون؟






























