وجّهت لجنة جبران الوطنيّة كتابًا بتاريخ 12 أيار 2026، إلى وزير الخارجيّة يوسف رجيِّ، تطلب فيه: “تصحيح توصيف الهويّة الوطنيّة لأدباء الرابطة القلميّة الّلبنانيّة” بحسب ما جاء في عنوان الكتاب. وذلك اعتراضًا، على ما قامت به بلديّة مدينة نيويورك، وبمبادرة من “جمعيّة شارع واشنطن التاريخيّة”، خلال حفل تدشين نصب تذكاري تحت عنوان “القلم: شعراء في الحديقة العامة”، في ساحة إليزابيت برغر في منطقة مانهاتن. إذ وضعت لوحة توضيحيّة، ضمّت فيما ضمّت أسماء أدباء وشعراء لبنانيّين، من رواد النهضة الأدبيّة المهجريّة، وقد ورد في خانة الإنتماء الوطني مقابل أسمائهم، بأنّهم سوريّون.
الجدير بالذكر أنّ روّاد النهضة الأدبيّة المهجريّة، قد ولدوا في عهد الدولة العثمانيّة، قبل إعلان دولة لبنان الكبير، وقبل قيام دول الشرق الأوسط بحدودها النهائيّة الحاليّة. فالرابطة القلميّة تأسّست في العام 1920، قبل عام واحد من تاريخ هذا الإعلان، في مدينة نيويورك. لذلك كان يُطلق عليهم “أدباء المهجر الشامي” أو الأدباء “السوريّون والّلبنانيّون”.
بناءً لما ورد، ولمرّات عديدة، تستوقفنا أسئلة محوريّة عديدة، تتركّز على البعد الثقافي الهويّاتي الّلبناني: هل أنّ الثقافة الّلبنانيّة عرضة لترجّح أهواء ثقافيّة غريبة؟ وهل يحق لبلديّة أو جمعيّة ثقافيّة تغيير جنسيّة أديب أو شاعر على مزاجها؟
من نافل القول، إنّ الدالة الثقافيّة الّلبنانيّة الحاليّة، هي تعبيرٌ حقيقيٌّ صارخٌ عن الموروث الأدبي الذي كان سمة مميزة في ثلاثينيّات القرن المنصرم. وهنا لا يأتي الحديث في سياق البعد النظري أو التأويلي، ففي إحصاء تقريبيٍّ أجري عام 2016، هناك 700 دار نشر في لبنان تطبع أكثر من 2700 كتابٍ كلّ عام، وهذا النتاج هو 30% من النتاج العربي ككلّ في مجال الطباعة والبالغ 8500 كتابًا في السنة.
هل يعلم عمدة مدينة نيويورك الذي هو من أصل مشرقيّ، أنّ معظم الشعراء والأدباء العرب، اتّخذوا من “درّة الشرق” بيروت محطّة دائمة للتواصل مع قرّائهم، وقد نشرت دور النشر الّلبنانيّة ما لم يستطيعوا نشره في أوطانهم، وكانت بيروت حاضنة لإبداعهم. فمحمود درويش ومعين بسيسو فلسطينيّان، ومظفر النوّاب ومحمد الجواهري عراقيّان، ونزار قبّاني وغادة السمّان سوريّان، واللائحة تطول… وكانت بيروت مكان إقامتهم الدائمة، على الرغم من الحروب التي جرت في شوارعها، والاجتياح الإسرائيلي والسيطرة السوريّة عليها.


إنّ التراكم الثقافي الذي يذخر به لبنان، ليس مغيّبًا عن حاضرنا الاجتماعي. ولم تكن الحروب والاشتباكات السياسيّة والطائفيّة، والتكالب الأعمى على تقديس ثقافة الاستهلاك، عقبات في طريق صناعة نخب ثقافيّة قادرة على حماية الوعي الثقافي، والانطلاق نحو آفاق ورؤى، تؤسس لمساحة ثقافيّة واسعة، تعي من اتّساعها هدف وجودها.
على الرغم من وجود العديد من المؤسّسات الثقافيّة غير الرسميّة، التي تؤطر العمل الثقافي وتكودره ضمن منظومة ضوابط ومعايير، وتطلقه إلى الفضاء الاجتماعي، ومنها مؤسسات ومنتديات تُعنى بالثقافة المجانيّة طباعة ونشرًا، فلا رعاية رسميّة تضع روزنامة ثقافيّة تؤصّل الحراك الثقافي وتوجهه وتدعمه. فموازنة وزارة الثقافة، تكاد تكفي لدفع رواتب الموظفين العاملين فيها. فهل يُعقل أن حدثًا كالذي حصل في نيويورك قد غفلت عنه وزارة الثقافة ووزارة الخارجيّة؟ وما هو موقف اتّحاد الكتّاب الّلبنانيّين من الذي حصل؟ فالمسيرة الثقافيّة الرسميّة، ما زالت أسيرة العبثيّة الاقتصاديّة التي تطال السواد الأعظم من الشعب الّلبنانيّ.
لن يمنحنا أحد في هذا الكون شرف المساعدة في المجال الثقافي، وهل يمكن أن نُعطي مبررًا للجهات الرسميّة ذات القدرات المحدودة، على التقصير بالإمساك بزمام المبادرات الثقافيّة بسبب الوضع الراهن؟ وهل يوجد أحد يعي بعمق جوهر المأزق الثقافي المستجد، وهل أنّ الحدث الذي حصل في إحدى ساحات مانهاتن هو دليل على سياسة غير معلنة، تقضي بضم لبنان إلى سورية؟ فطالما مهّدت الثقافة لمستقبل البشرية، فالأب هنري لامس اليسوعي المستشرق البلجيكيّ، وضع كتاب “تسريح الأبصار في ما يحوي لبنان من آثار” يوثّق فيه المواقع الأثريّة والتاريخيّة في لبنان الكبير، قبل الإعلان عنه في مؤتمر سان ريمو عام 1921.
























