الأزمة المصرفية في لبنان: تجسيد حي لـ “اشتراكية الأغنياء ورأسمالية الفقراء”

المسيرة- ​في كتاباته حول النظام العالمي، يفكك المفكر الأميركي نعوم تشومسكي بنية النظام الاقتصادي الحديث، معتبراً أن الرأسمالية المعاصرة ليست “سوقاً حرة” بالمعنى الفعلي، بل هي نظام هجين يطبق “الاشتراكية للأغنياء ” عبر حمايتهم وضمان خسائرهم بواسطة الدولة، في حين يفرض “الرأسمالية المتوحشة بأقسى صورها على الفقراء والمستضعفين”، حيث يُتركون لقدرهم يواجهون تقلبات السوق وعقوبات الفشل بدون أي شبكة أمان.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

​عند إسقاط هذه النظرية على الأزمة المصرفية والمالية التي يعيشها لبنان، نجد أنفسنا أمام نموذج مثالي ومأساوي لهذا التناقض، حيث جرى تحميل المودع كلفة “الانهيار المالي”، بينما تم تحييد الكارتيلات المصرفية والسياسية.

​منذ العام 1997، حقق القطاع المصرفي في لبنان من خلال الهندسات المالية أرباحاً خيالية غير منطقية ناتجة عن إقراض الدولة بفوائد مرتفعة جداً. طالما كانت الأرباح تتدفق، كانت “خاصة” وتوزع كأرباح على كبار المساهمين والمحظوظين سياسياً.

​ولكن، عندما حانت لحظة الحقيقة ووقعت الأزمة، تحولت السلطة فوراً إلى حماية هذا الكارتل:
– ​حماية الأصول المصرفية: امتنعت السلطة في عهد الرئيس ميشال عون عن إقرار قانون عادل ومنظم لتقييد الرساميل (Capital Control) في بداية الأزمة، مما سمح بتهريب مليارات الدولارات للخارج لصالح “النافذين وكبار المساهمين”، بينما أُغلقت الأبواب بوجه صغار المودعين.
– ​شطب الالتزامات بالتضخم: عبر التعاميم المتلاحقة لمصرف لبنان، بحيث أُجبرَ المودعون على سحب أموالهم بالعملة المحلية وبأسعار صرف أقلّ بكثير من قيمتها الحقيقية في السوق السوداء، وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ “الهيركات” (Haircut)، مما سمح للمصارف بتخفيف ديونها بالعملة الأجنبية على حساب القوة الشرائية للمواطن.

​في المقلب الآخر، طُبقت الرأسمالية “بأعلى” صورها العقابية على الفقراء ومتوسطين الدخل من المودعين:
– ​غياب الدولة الرعائية: تخلت السلطة عن أي دور حمائي للمواطن، وتُرك المودع يواجه منفرداً وحشية السوق الأسود، واحتكار السلع، وتآكل مدخرات العمر.
– ​تحويل الخسائر للمواطن: بدلاً من إجبار المصارف على استخدام رساميلها وأصولها الخاصة، أو أصول مساهميها الكبار لتغطية الفجوة المالية، سعت الخطط المقترحة حكومياً إلى شطب جزء ضخم من الالتزامات وتصفير ديون الدولة ومصرف لبنان، مما يعني عملياً تصفير حقوق المودعين وتحويل الخسارة إلى عبء عام يتحمله دافع الضرائب اللبناني مستقبلاً.

​يشير تشومسكي إلى “الدولة المربية” (Nanny State) التي تتدخل لإنقاذ الشركات الكبرى حين تفشل، بدعوى أنها “أكبر من أن تسقط” (Too big to fail). هذا النموذج يظهر في لبنان بشكل تحالف عضوي بين السلطة السياسية والمصرفية حيث يتداخل رجال السياسة مع مجالس إدارات البنوك.

​إن رفض المحاسبة القضائية، وتعطيل القوانين الإصلاحية، ومحاولات تحميل “الفجوة المالية” للمودع وحده، ما هو إلا حماية مباشرة لهذه المنظومة على حساب الأمن الاجتماعي لـمئات آلاف المودعين في لبنان، مما أدى إلى سحق الطبقة الوسطى وتحويل المجتمع إلى اقتصاد “كاش” بدائي.

في النهاية، لنتخيّل لو أن الدولة، في عهد الرئيس ميشال عون وحكومة الرئيس حسان دياب، سارعت في بداية الأزمة إلى إقرار قانون عادل ومنظّم لضبط حركة الرساميل (Capital Control) ، بدلًا من ترك التحويلات تتم بصورة استنسابية للاشخاص النافذين، ولو أنها امتنعت عن اعتماد سياسة الدعم المشؤومة التي استنزفت ما تبقّى من احتياطات مصرف لبنان. فهل كان الانهيار الاقتصادي والمالي سيبلغ هذا المستوى الكارثي؟ أم أن جزءًا كبيرًا من الخسائر كان بالإمكان الحدّ منه لو اتُّخذت القرارات الصحيحة في الوقت المناسب؟

في لبنان، جرى تحميل الناس كلفة الانهيار، فدفع ثمنها المريض على أبواب المستشفيات، والمتقاعد الذي تبخّرت تعويضاته، وطالب الجامعة الذي عجزت أسرته عن تأمين قسطه، بينما استمرت البنية السياسية والمصرفية في حماية نفسها. وهكذا وجد الضعفاء أنفسهم يتحملون العبء الأكبر للأزمة، في مشهد يجسد “اشتراكية للأقوياء”، ورأسمالية قاسية تُترك فيها الفئات الأضعف لمواجهة مصيرها.

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?