صفقة سياسية مقابل سلاحه… بجرأة القانون تسقط هالة الحزب الوهمية

 منذ تأسيسه على يد الحرس الثوري الإيراني في البقاع في عام 1982، لم يترك “حزب الله” مناسبة إلا ويؤكد خلالها تبعيته الكاملة لنظام الولي الفقيه. وهذا ما يُفسّر، من جهة، تبنّي الحزب الكامل لعقيدة نظام الولي الفقيه وانشطته العسكرية في لبنان وفي أكثر من مكان في العالم لتحقيق مشروعه التوسّعي في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى دفاعه المستميت عن هذه العقيدة وعن هذا المشروع. ويعود السبب الحقيقي وراء ذلك، ووفق شريحة كبيرة من المتخصصين في التاريخ الإيراني وفي تاريخ المنظمات العقائدية، فإن نظام الولي الفقيه يفتقد لدعائم دينية وسياسية يستمد منها شرعية لوجوده ودوره، وهذا ما يدفع النظام الى تدعيم عقيدته من خلال اللجوء الى أكثر من وسيلة، من بينها توظيف المعتقدات الدينية للشيعة الإثني عشرية لبناء حيثية دينية له. ومن الوسائل الأخرى المُستخدمة من قبل نظام الولي الفقيه، إستغلال الصراع مع إسرائيل، حتى باتت استمرارية النظام في إيران مرتبطة باستمرارية الصراع مع إسرائيل. إلا أن اليوم، وبعد ما أحدثه زلزال 7 تشرين الأول 2023، باتت غالبية دول العالم على قناعة تامة واتفاق ضمني في ما بينها على ضرورة وضع حدّ لمشروع هذا النظام التوسعي، أولاً، عبر القضاء على وكلائه خارج إيران، ومن ثم، العمل على تقويض النظام في الداخل الإيراني. وانطلاقًا من ذلك، تُطرح مجموعة تساؤلات متعلّقة بلبنان وبكيفية وضع حدّ لأنشطة “حزب الله” العسكرية غير القانونية حسب قرار الحكومة اللبنانية في 2 آذار 2026 وكيف سيكون الوضع العام في لبنان بعد انتهاء هذه الحرب بين إسرائيل من جهة “وحزب الله” و”الحرس الثوري” الإيراني من جهة ثانية.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

لا يُخفى على أحد توالي الهزائم التي يُمنى بها “حزب الله” منذ إعلانه بالوكالة عن إيران حرب إسناد غزة في 8  تشرين الأول 2023، وما نتج عن هذه الحرب منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، من خسائر مادية وبشرية مباشرة وغير مباشرة. إلا أن الحزب الإيراني العقيدة والولاء يرفض الإعتراف بهذا الواقع، ولا يرى في كل هذه الخسائر سوى ثمن صغير يدفعه من أجل الحفاظ على ما تبقى من سلاحه يستخدمه للعب دور متقدم في النظام السياسي في لبنان. في المقابل، ومن أجل لجم غضب بيئته يقوم بإلهائها وتوجيه غضبها الى الداخل اللبناني. لذلك يستغل الحزب ومن يدور في فلكه، سواء داخل بيئته، أو لدى من يُعرفون بأهل الذمة، أي حدث أو تغيير ما لأخذ لبنان بواحد من هذين الإتجاهين: الحرب الأهلية أو تغيير النظام. في ما يتعلّق بالإتجاه الأول، يبدو “حزب الله” وبيئته ومن يدور في فلكه يتبنون خطابًا طائفيًا ومذهبيًا عالي السقف، لم يشهده لبنان في تاريخه، وذلك لدفع الأمور في اتجاه إنفجار داخلي يؤدي، ووفق ما يعمل له “حزب الله”، الى حرب أهلية تُخفف عنه الضغط العسكري من قبل إسرائيل، والضغط الاجتماعي والاقتصادي من قبل بيئته. ويعتقد “حزب الله”، أن الحرب الأهلية ستنتهي حكمًا بإتفاق جديد يُعيد توزيع السلطة في لبنان، وهذا سيأتي حتمًا، ووفق اعتقاده، لصالحه، وبذلك يكون قد استوعب غضب شارعه. إلا أن الحزب يعمل أيضًا بإتجاه ثانٍ، في حال فشل الأول، ويتمثل بعرض صفقة تقوم بمبادلة سلاحه وبنيته العسكرية بتعديلات سياسية تتناسب مع مصلحته. وللدفع في هذا الإتجاه الثاني، يعمل “حزب الله” وبيئته ومن يدور في فلكه من أهل الذمة، على تخويف المسيحيين من خلال إيهامهم بأنه  قادر على عقد صفقة للتخلّي عن سلاحه مقابل حصوله على المثالثة وعلى مواقع إضافية داخل النظام اللبناني.

لا يبدو حتى اليوم أن “حزب الله” سينجح في الدفع في أي من هذين الإتجاهين، وذلك لأسباب عديدة. فمن الناحية البُنيوية المرتبطة به، بات هذا الأخير جسمًا غريبًا في المجتمع اللبناني، نظرًا للتناقض الكبير بين عقيدته المُستوردة من إيران وطبيعة التركيبة اللبنانية. فلبنان ذات المجتمع التعددي المنفتح على التيارات السياسية والفكرية والمجتمعية في الغرب كما في الشرق، لا يمكن بأي شكل أن يكون جزءًا من مشروع شمولي وديني متزّمت يرى في الدمار وسيلة للتوسّع وفي المواطنين وقودًا لهذا التوسّع. أضف الى ذلك، أن كل حملات التمويل والتعبئة التي قام بها “حزب الله” لحشد مناصرين له من خارج البيئة الشيعية، وتحديدًا في البيئة المسيحية، باءت بالفشل، وذلك لعدة أسباب. فتبنّي أفراد مسيحيين لعقيدة الحزب الدينية والسياسية، حوّل هؤلاء الأفراد حكمًا الى أهل ذمة، وذلك وفقًا للتصنيف العلمي لهذا المصطلح في تاريخ العلاقات بين الدول والأنظمة الإسلامية والشعوب غير الإسلامية.

ومن الأسباب التي تحول أيضًا دون تمكّن “حزب الله” من دفع الأمور باتجاه حرب أهلية هي أن ليس هناك أي فريق لبناني آخر لديه بُنية عسكرية وجهاز عسكري شبيه بما لدى “حزب الله”، كما ليس هناك من فريق لبناني آخر لديه نيّة وإرادة للذهاب الى هكذا حرب، وبالتالي فإن أي مواجهة محلية لـ”حزب الله” ستكون مع الجيش اللبناني، وهذا لا تنطبق عليه تسمية حرب أهلية. وإن حصل ذلك، فإنه سيدفع الأمور نحو تحوّلات ميدانية خطيرة لن تقف عند تعميق التوغل الإسرائيلي في لبنان ولا عند حدود انخراط النظام السوري الجديد في الشأن اللبناني. وفي حال حدوث هذا السيناريو، فإنه سيجعل “حزب الله” في مواجهة مباشرة وعنيفة مع ألدّ أعدائه، إسرائيل من الجنوب ونظام الشرع في سوريا من الشرق. وهو، الموضوع على لوائح الإرهاب لغالبية دول العالم، لن يستطيع، ولا بأي شكل من الأشكال المواجهة لأكثر من عدة أيام.

أما في ما يتعلّق بالصفقة التي يحاول “حزب الله” التسويق لها بطرق ملتوية والتي تقوم على مبادلة سلاحه بإصلاحات سياسية تعطيه نفوذًا أوسع في النظام السياسي، فهناك مجموعة مترابطة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية تحول دون تبنّي هذه الصفقة من أي فريق محلي أو خارجي. ولمعرفة السبب في ذلك لا بدّ لنا من الغوص أكثر في طبيعة النظام الطائفي في لبنان. فهذا الأخير قام، ومنذ 1861، على تراكم مجموعة من التسويات الدولية والإقليمية هدفت الى تحقيق مجموعة من الأهداف من بينها، إيجاد حدّ أدنى من التوازن المحلي بين المكوّنات الطائفية والمذهبية، من خلال إشراكها في صناعة القرارات الكبرى عبر تمثيلها في المجلس الإداري، ما بين 1861 و1922، ومجالس النواب منذ 1922 حتى يومنا هذا. كما هدف تراكم هذه التسويات الى إيجاد نوع من التوازن بين القوى الإقليمية، يكون مرآة لدور القوى الفاعلة والمؤثرة في الشرق الأوسط. لذلك، وانطلاقًا من هذه الحقائق التاريخية الثابتة، لا يبدو، أقله حتى يومنا هذا، أن هناك مكوّنات لبنانية، وتحديدًا مسيحية، مستعدة للتنازل ولو بعض الشيء عن دورها في النظام السياسي اللبناني لصالح “حزب الله”. كما ليس هناك أي إيحاء إقليمي ودولي للقبول بالصفقة التي يعرضها “حزب الله”. وذلك لسبب بسيط، أن إسرائيل التي ما زالت تقاتل لأكثر من ثلاث سنوات، لم ولن تقبل، ولا بأي شكل من الأشكال، أن يتحوّل خطر “حزب الله” من خطر أمني الى خطر سياسي يمكّنه من بناء نظام سياسي في لبنان يكون تابعًا للولي الفقيه.

إنطلاقًا من كل ما تقدم، لن يكون لـ”حزب الله” دورًا متقدمًا في لبنان شبيهًا بالدور الذي كان يلعبه قبل 7 تشرين الأول 2023. في المقابل، وللحدّ من تأثير دور العوامل الخارجية على التحوّلات الكبيرة التي يشهدها لبنان اليوم، وتحديدًا العامل الإسرائيلي أولاً، والسوري ثانيًا، لا بدّ للدولة اللبنانية بمؤسساتها كافة من العمل خطوة خطوة بإتجاه اجتثاث عقيدة “حزب الله” من المجتمع اللبناني ومن مؤسسات الدولة. وهذا يتطلب نوعًا جديدًا من الجرأة على الطبقة السياسية التحلّي بها. ومن بين هذه الخطوات، اجتثاث عقيدة الجهاد ضد إسرائيل، فـ”حزب الله” يعتبر ويسوّق لفكرة مفاداها أنه وبغض النظر عن إمكانياته العسكرية الجد متواضعة، إلا أن ذلك لا يمنع أبدًا أحقية وضرورة قتال إسرائيل حتى القضاء عليها، وذلك بغض النظر عن التكلفة المادية والبشرية لذلك. هذه الفكرة ما زالت تدغدغ مشاعر الكثيرين من التيارات السلفية والأحزاب الشمولية واليسارية، ما يساعد “حزب الله” على اكتساب شعبية ما. ومن أخطار الإحتفاظ بعقيدة الجهاد والترويج لها، أنها لا تقيم أي وزن لوجود دولة ومؤسسات دستورية تعمل لخير المجتمع وتقدمه ورقيه. هذا بالإضافة الى أن الترويج لعقيدة الجهاد ضد إسرائيل للقضاء عليها، يؤدي الى القضاء على الوجود المسيحي والدور المسيحي الحر. فتبنّي بعض المسيحيين لعقيدة الجهاد هذه، يحوّلهم حكمًا الى أهل ذمة لأنه يؤدي الى إلغاء دورهم كعنصر متمايز في الشرق الأوسط.

يبقى أن من بين الخطوات التي على الطبقة السياسية العمل عليها هي إلغاء بعض التشريعات وتطوير بعضها وإقرار تشريعات جديدة. ومن بين التشريعات التي تتطلّب التطوير، قانون مقاطعة إسرائيل. فهذا القانون الذي صدر عام 1955 تحت ضغط من جامعة الدول العربية والحركات اليسارية على الدولة اللبنانية، غالبًا ما استُخدم من قبل “حزب الله” لتوزيع أحكام بالعمالة على خصومه وشهادات بالوطنية على أتباعه. فأدى ذلك الى تعزيز سيطرته على الدولة اللبنانية، وفرض عقيدته عليها ومحاولة جعلها العقيدة الرسمية الوحيدة للدولة اللبنانية. ولكن، ومع التحوّلات الكبيرة التي يشهدها اليوم الشرق الأوسط، ومع تصنيف “حزب الله” منظمة خارجة عن القانون اللبناني، فقد هذا القانون دوافع إقراره. ولسخرية القدر، أن الذي أفقد هذا القانون دوافع إقراره هو “حزب الله” بذاته، من خلال تواصله مع شركة إسرائيلية عند عقده لصفقة البيجرز، وفي تواصل عناصره وبيئته مع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الضابط أفيخاي ادرعي، على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يأمرهم بترك منازلهم، وتحديد وجهات هروبهم. وإلغاء قانون المقاطعة هذا سيؤدي حتمًا الى كسر حواجز الخوف في المجتمع اللبناني ودفعه بإتجاه التطرق الى الكثير من الأمور الشائكة والعمل على حلّها، ولعل أبرزها مسألة اللبنانيين المُبعدين الى إسرائيل والقضايا المتعلّقة بحقوق أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية.

من الخطوات الضرورية والتي على الدولة اللبنانية اتخاذها في إطار العمل على اجتثاث عقيدة “حزب الله” من المجتمع والدولة، هو التشدد في تطبيق أحكام الدستور اللبناني والقانون اللبناني، خصوصًا في ما يتعلّق تحديدًا بمدارس المهدي والمصطفى، إذ تهدف هذه المدارس، ومن خلال المنهاج المطبق فيها، الى أدلجة الأطفال وكودرتهم وتشجيعهم على استخدام العنف. وخطورة ذلك في أنه يُفقد الدولة اللبنانية أي إمكانية لتقديم أي شكوى في المحاكم الدولية ضد أي تعرّض معنوي أو مادي للأطفال اللبنانيين من قبل أي دولة خارجية. والخطورة الأكبر في هذه المدارس هي في أنها تربي أجيالاً على الإستسهال في اللجوء الى العنف، وبالتالي على رفض الرأي الآخر، وهذا يتناقض حتمًا مع المادة 13 من الدستور اللبناني التي كرّست حق التعبير لكل اللبنانيين. كما تُشكّل مدارس “حزب الله” إنتهاكًا صارخًا للمادة العاشرة من الدستور اللبناني. فقد منحت هذه المادة الحق للطوائف، وليس للأحزاب، بتأسيس مدارسها، واشترطت في ذلك عدم التعرّض للنظام العام وألّا تكون المدارس منافية للآداب وألّا تتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب.

إنطلاقًا من كل ما تقدم، بات لزامًا إعتبار “حزب الله” مجرّد أداة إيرانية يستخدمها نظام الولي الفقيه لتحقيق مشروعه التوسّعي حقيقة ثابتة لا لبس فيها. كما بات لزامًا على الطبقة السياسية في لبنان التحلّي بجرأة كافية وضرورية للعمل بخطى ثابتة وهادفة بإتجاه اجتثاث عقيدة “حزب الله” وتحرير المجتمع والدولة من هذه العقيدة. وذلك لا يمكن أن يحصل، إلا باتخاذ مجموعة من الخطوات العملية، تؤدي من جهة الى التخفيف من تأثير الدور الإسرائيلي على تحديد مجريات الأمور في لبنان، ومن جهة أخرى، الى تقوية دور مؤسسات الدولة، مما سيساعد حتمًا هذه الأخيرة في اكتساب حد أدنى ضروري من المصداقية، والتي هي بأمسّ الحاجة إليها لتقوية موقفها ومؤسساتها في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والهادفة الى وقف الحرب، والوصول الى سلام مستدام واستقرار دائم.

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?