تحديات القرن: الأمن مقابل الحرية؟!

يعتبر الدّكتور شارل مالك  في كتابه “إسرائيل أميركا والعرب  نبوءة  منذ نصف قرن” الصادر في العام 1949 أنّه “بمقدار ما يكون الفكر حرًا، بذلك المقدار وحده يكون فكرًا على الإطلاق. ومصيبتنا الكبرى أنّ الفكر عندنا ليس حرًا: ليس حرًّا لينشد الحقيقة سافرة صافية، ليس حرًا لينشد الحقيقة لأجل نفسها، ليس حرًا لينشد الحقيقة ويبصرها مهما كانت عواقبها ومهما كان ثمن رؤياها”. وفي الأمن يعتبر بنيامين فرانكلين في معرض “ردّ مجلس بنسلفانيا على الحاكم روبرت موريس”، في 11 تشرين الثاني 1755 أنّ “من يتنازل عن حرية أساسية لينال قدرًا من الأمن الموقت، لا يستحق لا هذا ولا ذاك”. لكن لماذا يقرّر الإنسان في غفلة من الزّمن أن يتنازل عن حرّيّته لقاء أن يحصل على الأمن؟

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

الخوف كـ”بنية تحتية” سياسية

شعور الخوف ليس ردّ فعل عاطفيًا، بل أداة حكم تصنعها الأنظمة وتُديرها. فالخوف من الحاكم والسلطة لا يتماشى مع وجود الحرّيّة. فحين تستعبَد الجماهير وتقمَع حرّيّاتها، تعيش في خطر دائم من أن يتمّ القضاء عليها بواسطة الإستبداد الذي قد تمارسه السلطة الحاكمة. حالئذٍ، يقرّر بعض ضعفاء النّفوس التنازل عن حرّيّتهم التي تعتبر هي وحدها مثبّت كرامتهم.

لكن يجب ملاحظة الفارق الجوهري بين الخطر الحقيقي على الوجود، والخطر المتصوَّر الذي تنجح السلطة بزرعه في النّفوس. وهذا ما يفسّر كيف تنازل بعض المسيحيّين عن لاهوت الحقّ والحرّيّة والكرامة الإنسانيّة لقاء أن ينعموا بالأمن والإستقرار. ولكن لا يبرّر فعلهم هذا.

واليوم في لبنان أيضًا، يتنازل بعض الشيعة عن حرّيّتهم لقاء أن يحصلوا على ضمانات وحماية من السلاح غير الشّرعي. أمّا بعد زوال هذا السلاح، فحتمًا سيتّجه هؤلاء باتّجاه الدّولة لأنّها وحدها ستكون المشروع البديل عن مشروع اللادولة الذي نجحت منظّمة “حزب الله” بإخضاعهم وإجبارهم على الإنخراط فيه. وهكذا لأنّ الفكر ليس حرًّا رضخ هؤلاء لقوّة الأمر الواقع، وتنازلوا عن حرّيّتهم.

العقد الاجتماعي المُعاد صياغته

لقد كان الفيلسوف توماس هوبز صادقًا بقوله: “إنّ الناس يمنحون السيادة للّيفياثان مقابل الأمن”. هذه السلطة هي ما سمّاه “الليفياثان”، وهو وحش أسطوري استخدمه رمزًا للدولة القوية. ولكن المؤسف في حالتنا اللبنانيّة راهنًا أنّ هذا “الليفياثان” ليس  الدّولة إنّما هو فريق مسلّح خارج شرعيّة الوجود لهذه الدّولة. وهذا ما ترك النّاس أمام عجزهم في  تحديد ما الخطر الذي يستوجب هذا التنازل.

الفارق بين تنازل موقت وتنازل قد يصبح دائمًا، يجعل من الإستثناء قاعدة، ويصبح هؤلاء في حالة تبرير لما أقدموا عليه ظنًّا منهم بأنّ هذه الحالة تستطيع تبرير فعلهم اللاإنساني، على الأقلّ أمام ما تبقّى لديهم من ضمير. وفي هذه الحالة يعيش هؤلاء حالة صراع داخليّ لا يتخلّصون منها إلّا في حال قرّروا الثورة على ذواتهم لاستعادة هذه الحرّيّة. ولنا نماذج كثيرة في لبنان لسنا بمعرض تعدادها هنا، بل يكفي أن نرجع بالذاكرة كيف تقهقرت شعبيّة بعض الذين تصاعدوا على موجات تسوناميّة، وسرعان ما زالوا بعد انحسار هذه الأمواج.

وهذا ما يطرح ضرورة إعادة تعريف العقد الاجتماعي بعد التحرّر. فمتى ينجح الإنسان بقول الحقّ عندها فقط يتحرّر. ولطالما استمرّ نكران هذه الحقيقة بقي الإنسان مستعبَدًا لنظام لفكر لإيديولوجيا لعقيدة لحزب أو حتّى لزعيم. فهل عبثًا طلب منا معلّمنا يسوع المسيح أن نعرف الحقّ بقوله: “تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم”؟

الديمقراطيات تفعل ذلك بنعومة أكثر

هذه المشاريع الإستعباديّة لم توفّر أي جهد، لتغليف استعبادها بديمقراطيّة كاذبة. فنجحت بتجميل مراقبتها للشعوب. ولكن الفرق ليس في المراقبة، بل في التعريف الجمالي لها. وهذا ما دأبت على جعله منضويًا تحت كذبة الحفاظ على السلم الأهلي  وحقنًا للدّماء توصّلا إلى القدح والذمّ. ونصبت أقواس المحاكم العسكريّة والعرفيّة لتتسيّد على الشعوب التي تحكمها بقوّة البطش في القضاء والقانون.

فصارت عندها الحرية الطوعية عن التنازل هي أذكى أشكال السيطرة. وذلك كلّه تحت ذريعة الحقّ في الحياة. وفي هذه الحالة نفسها تحوّلت هذه الحياة الكاذبة إلى واحد من أشكال الموت، موت الإنسان في داخل الإنسان إلى حدّ التشيّؤ والتحلّل والزوال، حتّى لو بقي الجسد موجودًا لكنّ فعل الحرّيّة فيه يسقط، وبالتّالي تسقط الحرّيّة معه، ليحيا مستعبَدًا إلى دهر الدّاهرين.

الحلّ لهذه المعضلة هو في اكتشاف الحرّيّة المسؤولة المولودة في كلّ واحد منّا. عندها فقط ننجح بالتمرّد على الذات المستعبَدَة فينا والمستعبِدَة لذواتنا الحرّة. فلا يمكن للحرّيّة أن توجد بلا مسؤوليّة. ومتى كان الإنسان مسؤولًا حقيقيًّا عن الإرث الحرّ الذي ورثه من نطفته الأولى، عندها فقط يستطيع تقدير هذه الحرّيّة التي  منحه إيّاها الرّبّ بالولادة الأولى. وعندما يلبس المسيح في العماد، يتحرّر أكثر لأنّه ورث ميرونه المقدّس الذي يحمل في ذرّاته عبق تاريخ الأجداد. ويعيش حتّى الولادة الثالثة يوم تعلو روحه في الهيولى حرّة من جسدها التّرابي لتعود إلى الذي خلقها، كما خلقها أي  حرّة أبيّة لا تقبل الإستعباد.

الحالة اللبنانية: التعدّديّة في الوحدة والوحدة في التعدّديّة

لقد عاش شعبنا الحروب الأهلية منذ لحظة ولادة الكيان اللبناني سياسيًّا في العام 1920. وها هو يقبل بالتسويات الأمنية بسبب ذاكرة الفوضى التي لا تزال تعكّر صفو ذاكرته الوطنيّة. لكنه في الوقت ذاته رفض “الأمن” الذي تفرضه الميليشيات التي ترفض فكرة قيام الدّولة، لأنّه يدرك في قرارة وعيه الكِياني أنّ الموقّت لا يستطيع أن يعطي ثوابت.

فالتناقض اللبناني يرفض دولة الأمن ويرفض أيضًا الفوضى، وهو يريد شيئًا ثالثًا لم يُولد بعد. هذه هي الصيغة الجديدة التي  تنبثق من أرضيّة المجتمع اللبناني المتعدّد والمتنوّع. ولن يستطيع هذا المجتمع النّهوض إلّا إذا استطاع الحفاظ على تعدّديّته أوّلًا ومعرفة إدارة الإختلاف في قلب هذه التعدّديّة ثانيًا. مع الملاحظة بأنّ الولاء للوطن اللبناني يبقى وحده معيار بقاء الصيغة الجديدة التي تستوجب نظامًا سياسيًّا يستطيع أن يمنح الإستقلال الذاتي لكلّ مكوّن حضاريّ من المكوّنات اللبنانية، حتّى يعيش قناعاته من دون المساس بقناعات الآخر الثقافيّة والمناطقيّة والدينيّة وحتّى المذهبيّة  والإثنيّة. ومن دون أن يحمل الولاءات في جيناته ليحقّق حرّيّته في الوجود بعدما ظنّ أنّ حقّه في الحياة هو العطيّة التي نالها من الآخرين.

الصفقة الكبرى

لا يمكن للإنسان، على ضعفه، المواءمة بين الأمن والحرّيّة إلّا متى نجح بعقد صفقة بينه وبين خوفه. فمتى نجح بإزالة هذا الخوف عندها يقول الحقّ ويتحرّر. لذلك، وردت عبارة “لا تخافوا” 365 مرّة في الكتاب المقدّس. فالصفقة التي تعقد بين الفرد والدولة لن تنجح إلّا إذا تنازل الإنسان عن الشخص البشري الموجود في  كيانه الحرّ وتحوّل إلى مجرّد فرد يُقارَبُ حقّه في الوجود إنطلاقًا من تخلّيه على حقّه في أن يكون فاعلاً.  فالناس لا يتنازلون عن حرياتهم للسلطة، بل يطلبون من السلطة أن تُريحهم من عبء الحرية ذاتها. لأنّ الحرّية مسؤوليّة كبيرة يحملها الإنسان من الولادة حتّى الولادة.

بعض صغار النّفوس يعتبرون أنّ الحرية عبء ثقيل، والاستبداد الناعم يوفّر الراحة منها. وهكذا تكثر هذه النّماذج في المجتمعات لأنّها لا تريد ان تتحمّل المسؤوليّة وتمشي حيث لم يجرؤ غيرها أن يسير. فيما تبقى خميرة الشعوب، تلك القلّة الباقية، التي  تحمل المسؤوليّة مع الحرّيّة منذ الولادة فتسير حيث لا يجرؤ الآخرون. فتبقى الحريّة. وتسود الحقيقة. وتكون عندها الصفقة الكبرى بين الإنسان ومستقبله القائم على ثقافة الحياة. وتسقط حينها الصفقات الجانبيّة بين الانسان والموت لتحيا سرديّات ما ورائيّة قائمة على الخوف والضعف  والخضوع.

بين الحرّيّة والفوضى

الإنسان يحبّ الحرّيّة لكنّه يخاف الفوضى. فالشعوب لا تناضل فقط للبقاء، ولا سيّما بعدما نجح تطوّر الفكر البشري في إقناع الشعوب بأنّ الحقّ في الوجود ليس منّة من أحد على أحد. وهنا يبرز دور قادة الرأي كلّ من موقعه في هذه الحياة، ومن الوزنات التي يحملها بتصويب المسار نحو الحقيقة. حتّى لا يتحوّل السؤال من كيف نكون أحرارًا إلى كيف نبقى أحياء؟

يبقى أن نبحث في الخطر الذي يقلّص الحرية، أو حريّ بنا أن نعطّل الحكومات والسلطات التي تستثمر في الخطر لتوسيع سلطتها. ففي سيكولوجيا الجماهير، الإنسان الخائف يبحث عن اليقين أكثر من بحثه عن الحرية. والجماعات المذعورة تميل إلى تأييد القيادة القوية، هذا ما يفسّر خوف الأقليّات الموجودة وسط أكثريّة ساحقة من الشّعوب بالتزلّم للأنظمة كما كان حاصلاً مع مسيحيّي سوريا في  الزّمن البائد. والخوف يضعف النقد ويقوّي الطاعة. وكلما ارتفع الشعور بالخطر انخفض الإستعداد للدفاع عن الحقوق.

لعلّ التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين لا يكمن في الإختيار بين الأمن والحرية، بل في القدرة على حماية أحدهما من دون التضحية بالآخر. فكل حرية تُفقد باسم الخوف تصعب استعادتها بعد زوال الخطر، وكل أمن يُبنى على أنقاض الحرية يحمل في داخله بذور أزمة جديدة. وفي عصر بتنا فيه كلّنا أسرى لما اخترعته عقولنا، تُطرح الأسئلة العديدة ومنها: هل دخلنا عصر “المراقبة الطوعية” حيث يتخلّى الناس عن خصوصيتهم بإرادتهم؟ وهل أصبحت البيانات الشخصية والحرّيّة الكيانيّة هي الثمن الجديد للأمن والراحة؟

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?