حرب المئة يوم … صمود ومقاومة وانتصار

مقاومون يتذكرون: هكذا أخرجنا السوري مذلولاً

هي الحرب التي كان لا بد منها ليكون لإرادة العيش بحرية وكرامة مفهومها الحقيقي، وللمقاومة خطوط حمراء مسطرة بدماء الأبطال. هي الحرب التي أجبرت أبناء الأشرفية والمناطق التي كانت ترزخ تحت همجية الإحتلال السوري إلى البقاء تحت الأرض 100 يوم، ودفن شهدائهم من دون الصلاة على أرواحهم. هي الحرب التي استعمل فيها المحتل السوري للمرة الأولى راجمات ال240 لكسر عنفوان الأهالي وسحق إرادة الحياة التي أذهلت المحافل الدولية، فانكسروا واندحروا وبقيت الأشرفية أشرفية بداية التحرير ونهاية ملحمة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

هي حرب ال100 يوم التي أنطلقت راجماتها في أول تموز 1978 واستمرت حتى 7 تشرين الإول من العام نفسه. حربٌأراد منها النظام السوري طحن البشر والحجر، فنال من الحجر أما البشر فتعلموا أموراً كثيرة، أولها الكرامة وآخرها العيش بكرامة.

 حرب المئة يوم كانت البداية، بداية التحرير وبداية المقاومة، حيث عرفنا كيف نقول نعم ومتى نقول لا. مئة يوم دامية من المواجهات مع جيش الاحتلال السوري أسفرت نهايتها عن ولادة “المنطقة المحرّرة”. وبين الأول من تموز والسابع من تشرين الأول تاريخ الإعلان عن وقف اطلاق النار بقرار دولي رقم 436 ثمة شهادات كتبها مقاتلون على جبهات الحرية والكرامة، شهادات دفعوا ثمنها من لحمهم الحي ودمائهم. شهادات لا تزال تحفر أثلاما على أجسادهم وحكايات تروى للتاريخ بعنوان… هكذا صمدوا هكذا قاوموا وهكذا انتصروا.

في الأوّل من تموز ذاك، انزرع أبناء الأشرفية في الملاجئ والطبقات السفلى في المباني التي تزنزت بواباتها وشرفاتها بمتاريس الرمل. نيران صواريخ راجمة عيار 107 ملم التي نصبها الاحتلال السوري على سطح مبنى برج رزق، تومض بريقاً أبيضا في النهار، وكتل لهيبٍ حمراء في الليل. رشقة واحدة ويبدأ العدّ… 12 صاروخ في ثوانٍ تسقط على رؤوس آلالاف من أبناء الأشرفيّة المكوّمين في ملاجئها، ليصل العدد أحيانا إلى 100 قذيفة في الدقيقة. ذاك اليوم انزرع في نفوسنا في قلوبنا. ولكل منا ذكرياته السوداء المفعمة بالخوف والعنفوان. 

في ذاك العام بدا واضحاً أنّ حرباً ستندلع، لكن لم يخطر في بال أحد أنّها ستندلع من الأشرفيّة وأنّ حصاراً غير إنساني سيفرض على المنطقة البيروتيّة الشهيرة، وأنّها ستقصف بلا رحمة على مدى مئة يوم. لكنّ الكل أدرك أنها كانت البداية لأول معركة تحرير منذ اندلاع الحرب الأهلية، معركة أجبرت الجيش السوري على الإنسحاب من قلب منطقة مسيحيّة باتت رمزا لأنها واجهته بضراوة وكرامة على الرّغم من قدراتها العسكريّة مقارنة مع قدرة جيش دخل لبنان ليحتلّه. خسائر تلك الحرب كانت مفجعة. آلاف الشهداء والجرحى والمعوّقين، يومها وقف العالم طويلا متفرجا على المناطق تُدك ليلا نهارا إلى أن دقت ساعة القرار الدولي وارتسمت حدود المناطق المحررة. روايات من قلب الجبهات من ذاكرة مقاومين صمدوا قاوموا وشاركوا في حرب المئة يوم. تلك الذاكرة التي تتسع لروايات ومقاويين لم تُنشر بعد.

نعمة الله القاعي: لقَّنا السوري درسا في الكرامة والبطولة

عندما اندلعت حرب المئة يوم كان نعمة الله القاعي ضابط عمليات في الشعبة الثالثة في المجلس الحربي في منطقة الكرنتينا. “لا أزال أذكر غرفة العمليات تحت الأرض حيث كانت تتوسطها طاولة كبيرة وُضعت عليها خارطة لبنان، وكانت الجدران مزنرة بالخرائط الميدانية والعسكرية. وإلى جانب غرفة العمليات كانت هناك غرفة الإشارة التي كانت تزودنا بكل التطورات الميدانية على الأرض”.

2 تموز 1978 كان نانو في منزله في القليعات عندما بدأت القذائف تنهمر بغزارة في محيطه. ويروي: “كان الوضع أشبه بانفجار بركاني. القذائف تتساقط بغزارة على المناطق والأحياء السكنية في المناطق الشرقية. إتصلت بالقيادة في المجلس الحربي لأبلغهم بقرار التحاقي فكان الجواب بأن إمكانية الإلتحاق بغرفة العمليات مستحيلة لأن منطقة الأشرفية باتت مطوقة عسكريا والقذائف تتساقط بقوة على الأحياء السكنية ورصاص القنص يصطاد أرواح المدنيين كما المقاتلين. تريثت قليلاً خصوصا أن سيارتي كانت في بيروت.

فجأة رن الهاتف. على الخط الرفيق سامي أبو سليمان الذي كان موجودا في منطقة عجلتون وأخبرني أنه ينوي التوجه نحو بيروت. وعندما أخبرته أنني لا أملك وسيلة للتنقل قال لي بأن هناك رفيق يدعى إيلي شمعون وكان مسؤولاً في “التنظيم” ويريد الإلتحاق بمركزه في عين الرمانة. فاتفقنا على الإلتقاء في نقطة جغرافية محددة، وصعدنا في الجيب العسكري.

جلست في المقعد الخلفي مع الجعبة وتولى سامي القيادة فيما جلس إيلي إلى جانبه. الطرقات فارغة  إلا من أصوات القذائف التي كانت تتساقط على الأحياء السكنية و معمل الزوق الحراري الذي استهدف بمئات القذائف. عندما وصلنا إلى منطقة يسوع الملك سقطت قديفة أمام الجيب. أكملنا السير حتى وصلنا إلى بيروت. عند وصولنا إلى جسر الكرنتينا لاحظنا أن هناك إنتشارا لعناصر من جيش الإحتلال السوري، فطلبت من سامي أن يكمل السير بأقصى سرعة من دون توقف. وما إن وصلنا إلى نقطة مخفر الدرك عند جسر الكرنتينا حتى بدأ الرصاص ينهمرعلى مقدمة الجيب والزجاج فتحطم وأصيب سامي في بطنه. عندها فتحت النار على المتراس الذي كان يتحصن وراءه السوريون وسألت سامي عما إذا كان قادرا على مواصلة القيادة فرد علي إيجابا. فقلت له “بتحط إجرك على دعسة البنزين وما بتشيلا”. وقبل الوصول إلى المجلس الحربي أبلغنا سامي أنه لم يعد قادرا على القيادة لأن إصابته بليغة فتولى الرفيق إيلي القيادة وصولا إلى مستشفى الجعيتاوي.

المشهد على الطرقات كان مقززا. كأن زلزالا ضرب المنطقة. دمار والقتلى بالعشرات في سياراتهم . عندما وصلنا إلى المستشفى ودّعَنا الرفيق إيلي ليلتحق بمركز التنظيم في عين الرمانة. فجأة بدأت القذائف تتساقط على المستشفى وتم إجلاء المرضى وإنزالهم إلى الطبقة السفلى. وقبل إدخال سامي إلى غرفة التصوير فوجئت بأن رأس حربة بندقية ال”إم 16″ كانت مكسورة نتيجة إصابتها برصاصة عند نقطة مخفر الدرك على جسر الكرنتينا.

بعد إجراء الإسعافات الأولية  والصور الشعاعية أبلغنا الطبيب بأنه يفضل عدم إخضاع سامي لعملية إستئصال الرصاصة لأنها استقرت في مكان حساس جدا وقد يترتّب على العملية تداعيات خطيرة.

بعد إتمام عملية الإسعافات الأولية وتضميد جرحه تم نقل سامي إلى مركز التنظيم ومنه إلى منزله في عجلتون. وحتى اليوم لا يزال الرفيق سامي (هاجر إلى في الولايات المتحدة بعدما التأم جرحه بقرار من والده) يعيش مع الرصاصة التي اخترقت بطنه في 2 تموز 1978. أما أنا فتوجهت إلى المجلس الحربي والتحقت بغرفة العمليات.

كان التركيز على كيفية مواجهة عناصر الجيش السوري الذي تمركز في كل من تعاونية الموظفين وجسر الكرنتينا والأوتوستراد الداخلي عند مخفر الدرك. وما هي إلا لحظات حتى وصل وفد إعلامي من إحدى الوكالات الفرنسية وجلس أعضاؤه إلى الطاولة التي كانت تتوسط غرفة العمليات وبدأوا في إنجاز مهمتهم الإعلامية. فجأة سقطت قذيفة من نوع 240 والتي كانت تُستعمل للمرة الأولى في الحرب على سطح الغرفة. كان المشهد أشبه بزلزال علما أن السطح كان مغطى بأكياس الرمل بعلو 5 أمتار. ولولا ذلك لما خرج شخص من تلك الغرفة حيا يرزق.

عندما خرجنا من تحت الركام كانت وجوهنا وأجسامنا مغطاة بالركام والغبار وغادر الوفد الإعلامي بسبق صحافي نشر في الصحيفة مع الصور التي أظهرت وحشية القصف السوري على الأحياء السكنية في بيروت، لا سيما المباني السكنية حيث كانت تخترق قذائف ال240 حوالى 4 طبقات لتصل إلى الملجأ حيث كان يختبئ المدنيون من أطفال ونساء ومسنين.

ويضيف نانو: “جحيم المعارك كان في منطقة الأشرفية. فالقتال كان يدور من بيت لبيت وكان السوريون يتمركزون في مبنى الجامعة اللبنانية ومركز أولد فوكس للوطنيين الأحرار قرب منزل الرئيس كميل شمعون وبرج رزق كما كان لديهم في شارع فسوح. أما معركة بارتي فكانت الأشرس والأكثر ضراوة لأنها لقنت السوري درسا لم ولن ينساه.

فبعد إستشهاد ميشال بارتي عند محطة الحاج نقولا التي تحولت اليوم إلى مركز أ ب ث التجاري جاءت الأوامر بضرورة إلتحاق فرقتنا بالموقع نظرا إلى شراسة المعركة. وكانت عناصر من الوحدات الخاصة التابعة للجيش السوري قد تسللت من قصر تابت نحو بناية بارتي ووصلت إلى الطبقات السفلى والمواقف بواسطة الحبال ودارت إشتباكات عنيفة أدت إلى مقتل عدد كبيرمن عناصر الوحدات الخاصة وتمكنا من أخذ جثتين.

بعد تمركز مجموعة العمليات ووحدات المغاوير في بناية متاخمة لبناية بارتي، بدأنا في إعداد خطة لتحريرها وقد أعد فؤاد أبو ناضر خطة متكاملة لهذه الغاية،  لكن قبل تنفيذها قامت مجموعة من المغاوير بتفجير قنينة غاز كانت مزنرة بأصابع الديناميت حيث عمدوا إلى دحرجتها وصولا إلى مدخل بناية بارتي التي كانت تتمركز فيها الوحدات السورية وقاموا بتفجيرها مما سهّل عملية اقتحام البناية بشكل مباشر ومفاجئ. وأسفرت العملية عن مقتل عدد كبير من السوريين وأسر العناصر الأخرى. وحصلت عملية تمشيط للشقق السكنية للتأكد من عدم وجود متسللين أو فارين من الوحدات السورية.

لا يغيب عن نعمة الله القاعي مشهد الطرقات التي تحولت أرتالا من الركام والحجارة والزجاج نتيجة القصف العنيف الذي تعرضت له منطقة الأشرفية طيلة حرب المئة يوم”تصوري حتى سيارات الدفع الرباعي ما كانت تقدر تمشي ع الطرقات”.

بعد يومين على معركة بناية بارتي أصيب نانو بعدما كان أنجز عملية قصف راجمة برج رزق التي كانت تصطاد البشر والحجر ويروي: “كنت أجلس في غرفة العمليات في المجلس الحربي عندما دخل مارون مشعلاني وأخبرني أنه في صدد تنفيذ عملية لإسكات راجمة ال107 التي وضعها جيش النظام السوري في أعلى طبقات برج رزق. فقررنا إنجاز المهمة سويا. خرجنا من مقر المجلس الحربي واجتزنا الخط الممتد من المدور وصولا إلى صوفيل حيث بات سطح البرج مكشوفا وبدأنا إطلاق النار بواسطة مدفع 106 ملم فدارت إشتباكات عنيفة تمكنا في نهايتها من إصابة الراجمة وإسكاتها.

عند وصولنا الى المجلس وفيما كنت خارج غرفة العمليات سقطت قذيفة 240 فأصبت بشطية في يدي وأخرى في رأسي. أكملت طريقي زحفا لأنه كان من المستحيل أن يخرج أحد من الرفاق لإنقاذي بسبب كثافة القصف ولأن أحدا لم يتنبه بأنني أصبت. زحفت حتى أوقعت نفسي في خندق لكنني كنت أخشى من أن أفقد الوعي. بعد لحظات وصل فؤاد أبو ناضر وأسعد سعيد فطلبت من فؤاد أن يكشف على إصابة الرأس فأبلغني بأنها ليست خطيرة وتم نقلي إلى مستشفى الروم ووضعوني في المبنى القديم (المخصص للجثث) مع باقي الجرحى والمرضى. بعد إجراء الإسعافات الأولية أخبرني الأطباء باستحالة إجراء عملية جراحية في ذراعي بسبب نقص المواد الطبية والمستلزمات واكتفوا في تثبيت ذراعي التي كانت متدلية بواسطة علاقة ملابس وكل ذلك من دون تخديري. بقيت أربعة أيام في المستشفى مخدرا من الألم ومن دون طعام، فارتأى الرفاق نقلي إلى مستشفى سيدة لبنان بواسطة طراد بحري من مرفأ الحوض الخامس. وهكذا حصل وعدت بعدها إلى منزلي في القليعات حتى انتهاء حرب المئة يوم لأن الإصابة كانت بليغة جدا.

“حرب المئة يوم بين المقاومة المسيحية وجيش النظام السوري كانت حرب استقتال وصلت إلى حد الجنون. فجيش الإحتلال السوري حاول تركيعنا من خلال ممارساته الوحشية وفكر بأنه قادرعلى إخضاعنا لكنه تفاجأ بحجم القوة القتالية وإرادة أبناء الأرض بالبقاء وطرد المحتل من أرضه مهما كان الثمن. وهذا ما أرغمهم على إعادة التموضع والإنسحاب من المناطق الشرقية التي عرفت بإسم المناطق المحررة بدءا من الأشرفية ونهر الكلب وجبيل وصولا إلى البربارة… ويختم نعمة الله: “حرب المئة يوم أثبتت لجيش الإحتلال السوري أننا شعب لا يرضح لقوة أي محتل وأننا أصحاب هذه الأرض وسنبقى”.

مارون غنام: أجبرنا الجيش السوري على الخروج مطأطأ الرأس

في الأول من تموز أوقفت عناصر جيش النظام السوري الشيخ بشير الجميل في الأشرفية وهو يقود سيارته. وعلى رغم تعرفهم إليه أصروا على تفتيش السيارة وتوقيفه، واقتادوه إلى مقر قيادتهم في برج رزق لكنهم ما لبثوا أن أطلقوا سراحه فورا. من حينه بدا أن أجواء الحرب باتت أشد حرارة من شمس تموز، وأعلنت حال الإستنفار في صفوف شباب المقاومة المسيحية. يومها كان مارون غنام آمر فصيلة في وحدات المغاوير ويروي: “كانت الوحدات الخاصة التابعة لجيش النظام السوري تتمركز في برج رزق بقيادة الرائد محسن ووضعوا راجمة من عيار 107 في الطابق 16.

ليل 30 أيلول حصلت عملية تسلل لعناصر من الوحدات الخاصة من برج رزق إلى الجهة الخلفية من بناية بارتي ووصلوا إلى حرج منزل ل آل تابت وكان يضع كل منهم كيس رمل على ظهره لاستحداث متراس فتم كشفهم من خلال شباب الأشرفية.

عند وصولهم إلى بناية بارتي دارت إشتباكات عنيفة دامت حتى انتهاء ذخيرة مجموعة الشهيد بارتي فطلب عندها من مجموعته الإنسحاب قبله ليعود ويتبعهم. كان بحوزة بارتي رشاش”م 16″ مزوّد بقاذف لانشر. عند انسحابه تعرض لرصاص غزير حيث أصابت رصاصة قاذف اللانشر الذي كان مزوّداً بقذيفة مما أدى الى انفجارها فبترت يده وسقط ارضاً. وبسبب عدم وجود وسيلة إتصال معه لم يعلم أحد ماذا حصل.

في هذا الوقت وصلت مجموعة من وحدات المغاوير بقيادة بوب حداد إلى بناية بارتي وتوجهت مع مجموعة من الرفاق إلى البنانية عن طريق مدرسة زهرة الإحسان أما المجموعة الثالثة فكان يرأسها جورج قزي وقد انطلقت من جهة منزل الشيخ بشير الجميل. إلتقت المجموعات الثلاث ودارت إشتباكات عند مدخل بناية بارتي. وكان بحوزة مجموعة الدعم قاذف “كارل غوستاف” مع قذائف حارقة فعمدت إلى رميها على مبنى “بابا سمير” مما اضطر السوريين إلى القفز من المبنى والنار تلتهمهم. كما وصلت مجموعة من المغاوير الذين دخلوا المبنى ومشطوه. لم ينجُ من المجموعة السورية سوى قائدها الذي فر هارباً، أما البقية فقتلوا بمعظمهم وتم أسر ثلاثة منهم.

في 2 تشرين الأول حصل هجوم جديد على بناية بارتي وقتل حوالى 5 عناصر من الوحدات الخاصة وهرب الباقون وكان عددهم حوالى 20 عنصرا. وتمكنا من إختراق مدخل البناية والوصول إلى المستودع حيث تمكنا من إعتقال عنصرين من الوحدات ولم يسقط أي شهيد من عناصر مجموعاتنا الثلاث.

لا يزال مشهد الدمار الذي خلفته قذائف ال240 والتي استعملها جيش الإحتلال السوري للمرة الأولى في حرب المئة يوم يحفر في ذاكرة مارون غنام. ويروي: “خلال معركة بارتي إنقطعنا من الذخيرة فقررنا جورج قزي وأنا التوجه إلى المجلس لإحضار الكميات المطلوبة من الذخائر والقذائف…. بس طلعنا ع الطريق صرنا نفتش عن رقعة زفت. كانت الشوارع بساط من الحجارة والردم والزجاج …ما كان في بلكون صامد ع بناية. وفي بنايات صارت كتلة ركام. وبتذكر كمان يوم اللي سقطت قذيفة 240 ع بناية حد محطة الشحروري بقينا حوالى الساعة عم نسحب أشلاء وجثث الضحايا من المدنيين اللي كانوا بالملجأ”… ويختم مارون: “يوم انسحابهم كان المشهد الذي أثبت أن الأشرفية البداية بداية التحرير. يومها كنا نقف بسلاحنا أمام البيت المركزي عند نقطة الصيفي فيما شاحنات جيش النظام السوري ترحل والعناصر مطأطأة الرأس. حقا كانت معركة بطولة لشباب المقاومة المسيحية وأهالي الشرقية وانكسار وإذلال لجيش النظام السوري”.

فادي عازار: مع سقوط كل شهيد كانت المعنويات تتعزز

قبل بدء حصار الأشرفية، وإنطلاق حرب المئة يوم التي اندلعت في 1 تموز 1978 واستمرت حتى 7 تشرين الأول من العام نفسه، كان الجو الامني ضاغطاً وخطيراً. كل المؤشرات كانت تدل على أن حرباً ستقع. اتفق شباب القسم العاشر وقسم الرميل الأول ان يقيموا حاجزا في وسط ساحة التباريس وكانوا يتناوبون عليه.

بعد توقيف الشيخ بشير الجميل عند حاجز لجيش النظام السوري وإطلاق سراحه بعد ساعة، أُقفلت كل مداخل الأشرفية بالأوتوبيسات وجحيم القصف ورصاص القنص. وتم توزيع المجموعات على الشكل التالي: فرقة الصخرة المشهورة بحنكتها وبسالتها العسكرية إهتمت بمدخل جسر فؤاد شهاب، و”الوطنيون الأحرار” بالسوديكو وفرقة التيوس عند نقطة مستشفى أوتيل ديو. لم يبقَ إلا طريق البرجاوي حيث كان للسوريين مركز كبير يضم الوحدات الخاصة السورية وكل الطريق المؤدي إلى مخفر الأشرفية وصولاً إلى صيدلية بارتي كان بتصرفهم. فتوجهت مجموعة من القسم العاشر ليلاً للإستكشاف وتحديد نقاط التمركز مع إحتساب العديد وتحضير اللوجستية.

بدأ الشباب ببناء التحصينات وإقفال البوابات مع فتح طرقات عسكرية لربط كل المباني بممرات محمية حيث تم بناء متاريس في الأماكن المواجهة للعدو السوري وإنشاء الدشم الترابية، كما وضعت المستوعبات الكبيرة والباصات المحترقة من أجل حجب الرؤية. واستمرت فترة بناء التحصينات أسبوعا كاملاً.

إندلعت إشتباكات عنيفة ومعركة كبيرة عند نقطة ال”كيك هاوس” في نزلة كنيسة السيدة يومها كان عمر فادي عازار لا يتجاوز ال15 عاما حمل بندقيته ونزل للدفاع عن كرامة الأرض وناسها. ويروي: “عندما اندلعت حرب المئة يوم كان عمري 15 عاما. إلتحقت بطريقة عفوية بمركز نمور الحرار في منطقة كنيسة السيدة الذي كان يتولى قيادته بشارة غلام (المختار حاليا) وكانت المجموعات موزعة على قطاعات كل منها تتولى حماية الشارع وعند الضرورة تتدخل القوات المركزية للمساندة.

كانت خطة وحدات الجيش السوري المحافظة على مواقعهم وتأمين طرق الإمدادات لناحية اللوجستية ونقل الجرحى. في المقابل كانت خطة شباب المقاومة المسيحية تضييق الخناق عليهم عند كل نقطة تمركز لوحداتهم للحؤول دون قيامهم بعمليات هجومية وإقفال كل الطرقات لوقف خط ربط القوات السورية ووصول الإمدادات. وكان محور ساحة ساسين يربط كنيسة السيدة بكرم الزيتون وصولا إلى البداوي وجسر نهر بيروت.

مع إندلاع حرب المئة يوم تحولت الأشرفية إلى منطقة أشباح. أهلها في غالبيتهم في الملاجئ تحت الأرض. ومن صمدوا فوقها كانوا يتولون مساعدة شباب المقاومة في التحصينات أو تأمين الأغذية والدواء للأهالي والأطفال، إضافة إلى سيارات الإسعاف والصليب الأحمر اللبناني التي كانت تجوب الطرقات تحت حمم القذائف وفوق أرتال الردم لنقل الجرحى والمرضى والشهداء. ومن باب الصدفة أن الضابط المسؤول عن الوحدات الخاصة التابعة لجيش النظام السوري المتمركزة في بناية “كيك هاوس” عند نزلة كنيسة السيدة كان من طائفة الروم الأرثوذكس وكان يصلي في الكنيسة ويخرج منها لتنفيذ جرائمه في حق الأهالي.

يومها كان التوجه العام بعدم السماح للجيش السوري بالإنتشار والتوسع مهما قست الظروف. وفي هذه الفترة نفذت مجموعة من وحدات المغاوير برئاسة بوب حداد عملية على بناية عيد جونيور وتمكنت من قتل ضابط سوري ملقب ب”بطل الجولان” وأسر عدد كبير من عناصر الوحدات الخاصة، فتدخل سامي الخطيب واتصل بالشيخ بيار الجميل للإفراج عن المجموعة والسماح بإخلاء الجرحى والقتلى من المبنى.

حاولت سرية من جيش النظام السوري متمركزة في محيط “cake house” الخروج من المبنى والتوجه إما نزولا نحو منطقة البدوي – نهر بيروت أو صعودا باتجاه برج رزق. عندها وصلتنا برقية من رئيس نمور الأحرار داني شمعون بمهاجمة مبنى “cake house” ومنع السوريين من الخروج منه. فدارت معارك عنيفة وتمكن شباب نمور الأحرار من الوصول إلى ملجأ البناية من الجهة الخلفية وأشعلوا فرشات إسفنجية مما أدى إلى تصاعد دخان كثيف، مما اضطر عناصر الوحدات الخاصة إلى الخروج من الطبقات السفلى إلى العليا واستمرت الإشتباكات حوالى 4 ساعات إلى أن تلقينا أوامر بوقف المعركة في انتظار إيجاد تسوية تقضي بخروج جيش الإحتلال السوري من الأشرفية.

نهاية معركة “cake house”كانت مأساوية حيث أصيب فادي خلال عملية إنقاذ أحد الرفاق ويروي: “آخر لحظات المعركة أصيب بسام حداد الملقب ب”بوزو” فتوجهت نحوه لإنقاذه بعدما وقع إلى جانب سيارة من نوع فولسفاغن كانت متوقفة في شارع المطران مسرّة وكانت تحتوي على كميات كبيرة من الذخائر والمتفجرات. الرابعة عصرا تلقينا أوامر بوقف إطلاق النار. هرعت لإنقاذ بوزو وفيما كنت أجتاز الطريق أصبت برصاصتين في قدمي لكنني لم أسقط أرضا ولو حصل ذلك لتحولت إلى مصيدة للسوريين. وتمكن الرفاق من نقلي إلى مستشفى الجعيتاوي وخضعت لعملية جراحية من دون بنج بسبب نفاذ الكميات من المستشفى. وأدت الإصابة إلى عطل بنسبة 50 في المئة مما حال دون العودة إلى الجبهة. ولاحقا تم نقلي بواسطة “الفلوكا” إلى مستشفى سيدة لبنان عن طريق الحوض الخامس. عندما انتهت المعارك عدت إلى الثكنة على العكازين وشهدت على خروج آخر جندي سوري من المناطق الشرقية التي حاولوا تركيع أهلها وترهيبهم بالنار والتجويع.

ويختم عازار”حرب المئة يوم كانت بمثابة ملحمة … كانت القذائف تتساقط بمعدل 100 قذيفة في الدقيقة الواحدة على رؤوس الأهالي. حاصروا المناطق الشرقية، أجبروا حوالى 70 ألف لبناني حر المكوث 100 يوم  تحت الأرض. منعوا عنهم الطحين والمواد الغذائية والأدوية لكن أحدا لم ينم جائعا ليلة واحدة. كان يتم تأمين الطعام والماء لهم في الملاجئ، حتى أن أصحاب المستوعبات التي احتجزت على رصيف المرفأ بسبب القصف تم تفريغها من قبل الشباب بطلب من أصحابها الذين أوعزوا إلى الشيخ بشير بفتحها وتوزيع محتوياتها من مواد غذائية ولحوم على الأهالي.

هذه المعركة لم تكن الوحيدة في حرب المئة يوم ولكنها كانت الأقوى والأشرس سقط فيها رفاق شهداء، ولكن مع سقوط كل شهيد كانت المعنويات ترتفع لأن سقوطهم على مذبح الوطن كرس الارض لأصحابها الاصليين ولعن التاريخ الغزاة.

الأشرفية البداية… بداية التحرير

يروي شاهد عيان أن وقع معركة بارتي التي كانت من آخر المعارك في حرب المئة يوم أثر بشكل سلبي ومباشر على معنويات جيش الإحتلال السوري. فخلال المعركة تحدث اللواء علي أصلان إلى اللواء سامي الخطيب طالباً منه التدخل لإخراج عناصر من الوحدات الخاصة السورية من بعض محاور الأشرفية وقال له حرفياً: “يا أخ سامي، نحن جيش نظامي، ولنا تاريخنا وتراثنا وصيتنا في العالم العربي ولنا وزن عالمي. هل تريد أن ترانا مكبلين في المجلس الحربي عند بشير الجميل؟”.

بحسب  تقرير للصليب الأحمر الدولي الذي صدر بتاريخ 9 تشرين الأول 1978 راوح عدد الشهداء المدنيين بين 500 و600. وتجاوز عددالجرحى 1500.

وأوردت وكالة الصحافة الفرنسية أن عدد القذائف التي سقطت على الأحياء السكنية في الاشرفية بلغ حوالى 30 ألف قذيفة ولم يبق من سكانها البالغ عددهم 220 ألفاً إلا 20 ألفاً، وذكرت أن القذائف من عيار 240 ملم اخترقت زفت الطرقات وحفرت أنفاقا على عمق 3 أمتار وبعرض 4 أمتار وغطى زجاج البنايات المحطم كل الشوارع التي التحفت بهياكل السيارات المحترقة.

وبتاريخ 11 تشرين الأول 1978 وبعد زيارته بيروت صرح رئيس الصليب الأحمر الاسباني انريك دولاماتا ” أنجولة العنف الأخيرة في بيروت الشرقية أسفرت عن مقتل حوالى 800 شخص وإصابة 3 آلاف وتهجير 500 ألف شخص وتدمير 35 ألف شقة سكنية”.

عندما خرج أهالي الأشرفية والمناطق التي كانت تتساقط عليها حمم القذائف وراجمات ال240 من الملاجئ أيقنوا أنهم ولدوا من جديد. قلة تعرفت إلى معالم الطريق التي توصلها إلى المبنى الذي تقطن فيه. هذا إذا كان هناك من بناية أو بيت أو شرفة منزل تحمل في طياتها ذكريات من بيت الطفولة. لكن مشهد خروج جيش الإحتلال السوري مكسورا، مهزوما، مذلولا كان كافيا في مسح دمعة على جنى عمر تحول رمادا. فالكرامة والحرية أغلى من كل شيء.

انتهت حرب المئة يوم وارتسمت خارطة ميدانية على الأرض وخطوط حمراء جديدة. فمع بداية العام 1980 سيطرت قوات الجبهة اللبنانية على بيروت الشرقية ومنطقتي جبيل وكسروان ومنطقة ساحل المتن الشمالي وبعض مناطق بعبدا ووسط البترون وجرده،والتي عُرِفت فيما بعد بإسم المنطقة الحرة الممتدة من البربارة إلى كفرشيما.

ورسمت الخطوط الحمراء معالم الكيان والحفاظ على الوجود المسيحي الحر في هذا الكيان وفي كل بقعة من هذا الشرق.وكانت عبارة الرئيس الشهيد بشير الجميل: “نحن قدّيسو هذا الشرق وشياطينه”.

100 يوم من المعارك الدامية، 100 يوم من الحصار اللاإنساني وجحيم الموت والدمار والقهر والجوع والألم ، ثمة من لم يتسنَّ له أن يدفن شهداءه أو أن يصلي على أرواحهم، لكن إرادة الحياة وكرامة أبناء الأشرفية والمناطق التي استباحها المحتل السوري كانت أقوى من ألمأساة.

100 يوم من القتال والدفاع المجبول بالكرامة والبطولات وإرادة العيش بكرامة وحرية…100 يوم أسس لبزوغ فجر المقاومة ولبنان الحلم. فمتى يكون فجر الجمهورية القوية جمهورية الدولة والمؤسسات جمهورية تقف على قبر كل شهيد سقط ليكون لبنان البداية والنهاية.

من أرشيف المسيرة

العدد 1707

حزيران 2020

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ice
fiordelli
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?