10 تشرين الثاني 1695 فاض بإنشادٍ ميلاديٍّ رهبانيّ، وضعه منشدوه في حماية ملائكة أناشيد نصف ليل 25 كانون الأوّل. المغارة صلة الوصل بين ناحية بيت لحم ونواحي قنوبين، والأرض المقفرة لا بديل عنها مسكنًا للخارجين عن مملكة العالم. ليل 25 كانون الأول قد ولدَ لنا مخلِّص، نهار 10 تشرين الثاني 1695 قد ولدت لنا رهبانية لبنانية، والولادتان يغمرهما ذات نشيد :“المجد لله في العلى وبين الناس المسرَّة”. ملوك فارس الثلاثة قبالتهم فتيان حلبيون ثلاثة، ومن هدايا الذَّهب والمرّ واللبان، إلى هدايا الطَّاعة والعفَّة والفقر.
مقدِّمة إنجيل الحبيب يوحنا قد وصفت ولادة يسوع وصفًا جانس الشِّعر باللاهوت، ورصَّع الناسوت بالقصيد الأسمى: “في البدء كان الكلمة، والكلمة عند الله، وكان الكلمة الله”. وهل من ريبةٍ بأنَّ الله الإبن هو من اختار للرهبانية المولودة في مزودها القاديشي، بأن تتكنَّى كنية بلادها، متمايزةً عن سائر رهبانيات الكنيسة المسكونيَّة. القديس فرنسيس الأسيزي هو مؤسس وشفيع رهبانية الفرنسيسكان. القديس دومنيك عبد الأحد الشَّفيع لرهبانية الدومنيكان. القديس أوغسطينوس شفيع رهبانية الأوغسطينيين. القديس أغناطيوس دي ليولا رائد دولة رهبانية اليسوعيين المنتشرة غربًا وشرقًا.
وأمَّا الوطن اللبناني فهو مؤسس وشفيع رهبانيته اللبنانيةِ المكتسبة كامل خصائص ومميّزات الأمَّة المارونية النَّاشئة منذ 1600 سنة فوق جبل راهب رفض أن يملك في الأرض إلاَّ أفقرها وأقفرها. المصباح الرهباني في تشريعه وقوننته دستور الرهبانية ليته هو وحده الشَّامل دستور انتمائنا الأصفى والأنقى والأنخب للبنان كان ويبقى المبتدى والمنتهى!
رهباننا اللبنانيون هم الذين ارتكبوا أكثر الخطايا قداسةً.. هم الذين اقترفوا ذنوبًا لا حلَّة غفرانٍ لها إلاَّ باقترافهم المزيد منها.. خطيئتهم قديمة الزمان مِن أيام ألهموا شعبهم وأقنعوه بأنَّ فقره الإنجيليِّ هو ضمانة دوامه في أرضه وبقاء هذه الأرض بمنأى عن البور والقحط واليباس. حقول أديار رهباننا فيها نمت سنابل القمح فأنمت معها رجاءنا بصلاتنا الربيَّة: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”.. وكرامتنا!
رهباننا ومنذ بداياتهم طالما أذنبوا بحق آبائنا وأجدادنا وهم يحرِّضونهم على إغلاق جميع أصول وفروع سفارات ذلك “الإبن الشاطر”.. كما حضّوهم على كسر سيوف السَّلاطين القابضة على الجباه الأبيَّة، ثم رمي خبزهم المشروط بالتَّبعية والمذلَّة والذميَّة، وتعفير المحصول المنسي في ترابه خيرٌ لكلّ العمر من تعفير الوجوه على الأعتاب!!
من يوم وضع قانون أساساتها، وختم مار إسطفانوس الدويهي على قانونيَّتها، وموافقة الكرسي الرسولي على عصمها عِصمة بابوية، وهذه الرهبانيَّة تُقلِع من جبالها، ووديانها، وهضابها، وسواحلها إقلاع التلاميذ الإثني عشر بمركبهم المطوَّق باستبداد الموج وهبوب الأعاصير، الجانح بهم إلى الهلاك لولا سطوة معلِّمهم وسلطته على البحر والريح وامتلاكه وجهة الأشرعة فوق صواريها!
رهبانية لبناننا نمت بكنَف آية سيدها الأول والأخير :”إن لم تعودوا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”، وهو مقدِّمة عبورها إلى ملكوتها اللبناني. سنواتها الأولى توسَّلتها بوداعةٍ، ومثابرة، وعزمٍ، وكِبر من مثالها الأقدس الذي “كان ينمو في القامة، والحكمة والمعرفة”. إحمرَّت منها عيون بعض السَّادة الأجلَّاء ما بين “ريش كوهنِه” و “وريش ريشونِه” وسراجها يرتفع سريعًا فوق مكيال الرعايا، والشعب المحيط بالأديار يعاين النور ويتجاوز مطبَّات العتم والتَّعتيم، ويقارن ما بين الظلمة والظلاميَّة. سقوف أديارنا الأولى كانت عرضةً لسخط بعضٍ من الحكّام بأمر التَّاج والصَّولجان مستندين على مزمورٍ قاسه الأجلًّاء على مقاسهم وفسَّروه تفسيرًا بشريًا: “عرشكَ يا رب مدى الدَّهر وصولجانكَ صولجان استقامة”!
رهبانيَّة وعِبر مقاطع وفواصل من مسيرتها المذهلة في صمودها وبقائها، قد مرَّت في تجارب الفروقات والإفتراقات، وأصابتها مأساة الأخوين هابيل وقايين إصابة تارة سطحيَّة وطورًا في الصَّميم. الأديار الرهبانية عقاريًا ومداخيل أديار سِمان وأديار عِجاف، وما لهابيل ليس لقايين.. والعرائض والتَّقارير تتوالى ودوائر الفاتيكان كأنَّها مجلس الأمن الكنسي والرهباني والذي لروما من تحت ليس كالذي لروما من فوق.. الضعف البشري كان مرحليًا وطارئًا وخارج السياق.
روح قدس الرهبانية اللبنانية المارونية كان ويبقى هو الأساس والقواعد المركزية، كما روح آبائها المؤسِّسين، وآبائها وإخوتها المغبوطين الطوباويين القديسين، ومن لا يعترف بأن قمحها الديري كان حاضرًا متأهِّبًا مستنفرًا في بقاء وثبات وحياة ثلثي شعب جبل لبنان؟!
مدوَّنة الأب ميخائيل غوش التنوري
هو المدبر العام الرهباني على مقاطعة جبيل والبترون، والمسؤول المقدام الذي يرمي بالمناصب خلف ظهره كلَّما كان صدر رهبانيَّته هدفًا للطمات تصيبه من أبعدين وأقربين.. من غرباء وأهل بيت.. من رؤساءٍ يطلبون من حكام الإحتلال العثماني تنفيذ قراراتهم بحق المرؤوسين العاصين المتمرِّدين.. وكان دير مار أنطونيوس قزحيا قلعة أولئك العصاة الأباة الذين هزوا بعصاهم الرهبانية بدنَ السلطنة العثمانية ورموا بمهابتها تحت مداساتهم.. إنَّ ما دوَّنه الراهب التنوري يثبتُ من دون شك ويؤكد من دون التباس أن التاريخ يعيد تكرار ذاته منذ ما قبل شهادة البطريرك دانيال الحدشيتي وعمامة إبن الصَّبحا مرورًا بالإحتلالات جميعها حتى السَّاعة. وهذا ما دوَّنه المدبِّر المستقيل :”أظنُّ أن السَّبب لم يكن بهذه البساطة، بل أعمق بكثير، ويحوي أبعادًا سياسيَّة على الصَّعيد المدني والرهباني والكنسي. كان أقطاب هذه السياسة رجالات من الشمال. فصمَّم البطريرك، ومن ورائه المطران يوحنا الحاج، على تغيير المعادلات. فقبل أولاً بإبعاد يوسف بك كرم ونفيه إلى توسكانا، ثم عمل على إسقاط الأب العام أفرام جعجع من الرئاسة العامة للرهبانيَّة، وإلغاء زيارة المطران يوسف جعجع على الرَّهبانيّات. وعمل أخيرًا على نفي المطران يوسف الدبس، مطران بيروت إلى روما لمحاكمته على بعض التّهم التي حاول إلصاقها به. ولكن المطران الدبس استطاع أن يبرِّئ نفسه منها!!
لا نعرف راهبنا اللبناني إلاَّ مقاومًا
رهباننا المقاومون في جميع ما عانوه وعاينوه من أهوال ومضايق قد استوحوا مقاومتهم من قولٍ لبولس رسول الأمم: “وأنا عازم بأن لا أعرف بينكم يسوع إلاَّه مصلوبًا”. الراهب الذي ترك الكلَّ لأجل الكل حتَّمت عليه لبنانيَّته أن يتدرَّع بمقولة قيافا يوم حكمه بموت حامل خطايا العالم: “خير لواحد أن يموت عن الأمَّة”. هذا الواحد أو هذه الجماعة هو وهي من تطوَّعا نذورًا للمواجهة الأشرس والأخطر الواقعة بين الروح والجسد، ورهباننا يتحوَّلون عن أجسادهم منتصرين للنفس والروح. جسد رهباني جديد يكافح ما تبقَّى من جسده القديم، وأحد الجسدين يحسم المعركة حسبما “تكون الروح مستعدة والجسد ضعيف”، ليكون دخول ملكوت الرب من خِرم الأبرة.
الراهب اللبناني ومنذ البدايات الرهبانية في الوادي المقدس وهو ثابت على قانون إيمان ذاتي حميم يؤمن بأنَّ ديره هو لبنانه مختصرًا، وبأنَّ لبنانه هو ديره مكبَّرًا. الأب العام المؤسس عبدالله قراعلي كان واحدًا يموت عن الأمَّة وكذلك الأب العام ميخائيل اسكندر الإهدني. وكذلك الأب العام إغناطيوس داغر التنوري. ومثلهم “الراهب البطل” مرتينوس طربيه التنوري. الأب العام شربل قسيس كان واحدًا يموت عن الأمَّة، وكذلك الأب العام بطرس قزّي والأب العام بولس نعمان!
من دير مار أنطونيوس سِير. إلى دير مار أنطونيوس رأس النبع، إلى دير مار مارون عنايا، إلى دير سيدة مشموشة، إلى دير مار تقلا ريمات، إلى دير مار أنطونيوس قزحيا، إلى دير مار جرجس عشاش، إلى دير مار جرجس دير جنين، إلى دير مار يوحنا مارون قبَّيع. الأقنوم الثاني الشهيد صلبًا بأنَّ لا مقاومة سماويّة وأرضية إلاَّ وتخشع لمقاومة رهبانية لبنانية مارونية، عشرات من رهبانها الشهداء قد رفعوا ذبائحهم نيابةً عن وطنهم اللبناني مذبوحين من وريدهم إلى ورديَّتهم!!
عموديون أو عمداء
السؤال قد يكون ديَّانًا، والجواب قد يؤدِّي إلى دينونة.. الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان هو الأحق بأن يسأل ويجيب.. وكذلك مارون القورشي وسائر القورشيين.. وكذلك سمعان العمودي وسائر العموديين.. ويونان المتريتي وسائر القزحيَّاويين.. شربل المحابس وسائر الشربليين.. أيضًا أنطونيوس شينا وسائر الأنطونيوسيين!
الروح القدس دائم العنصرة وعليَّة التلاميذ مفتوحة ليلاً ونهارًا وهو ينادي بإلحاح على عمداء لعنصرته وعليَّته يخشع العالم لأساكيمهم الرهبانية الملائكية وملامحهم الملكوتيه، وبعدها ليس عنده الوقت الكافي كي ينبهر بأوسمة شهاداتهم ودسامة ألقابهم وسراج عنايا هو الشاهد الأصدق على ما اختاره القدوس لرهبانيته اللبنانية!!!
























